-معاهدةُ الله تعالى على ترك الخمر، ومقاطعتها من كل الوجوه بتاتا: شربها، وإنتاجها، وتجارتها، وسائر الخدمات القائمة عليها بإطلاق! ومحاربة ملحقاتها من سائر أنواع المخدرات!
فإذا ثقلت عليك الانطلاقة إلى الله، ولم ينكشف لك نور القرآن، ولم تتبين لك حقائقه الإيمانية بمجالسه، أو لم تستقم لك الصلواتُ الخمس على مواقيتها وجماعاتها، أو لم يتخلص لك خشوعُها وجمالُها؛ فراجع نفسك في هذه الموبقات الثلاث! أو في ملحقاتها! وانظر: ما مدى أدائك لحق الله فيها؟ فإنه لا يستقيم للعبدِ سَيْرٌ إلى مولاه؛ ما لم تزل فيه لَوْثَةٌ من هذه اللوثات الثلاث! فلتتحرر من عبادة الشيطان أولا! حتى تكون عبدا لله بحق، وتستحق صفة"جليس الملائكة"! فإنما"الجلساء"هم الأتقياء! وآنئذ يقال لهم ولمن معهم: (هم الجلساء لا يشقى بهم جليسهم!) كما سبق بيانه في الحديث مفصلا [1] .
فاتحةُ خَيْرٍ
(1) لا ينبغي أن يفهم أن هذا الجليس الذي (لا يشقى بهم) ، ممن وُصِفَ في الحديث المذكور بذلك؛ أنه امرؤ سوء، أو أنه شخص فاسق أو فاجر! ثم مع ذلك صار منهم! كلا! فهذا المعنى لا يستقيم، وإنما عبارة الحديث هي قوله صلى الله عليه وسلم: (فيقول مَلَكٌ من الملائكة: فيهم فلان! ليس منهم، إنما جاء لحاجة! فيقول [أي الله تعالى] : هم الجلساء لا يشقى بهم جليسهم!) (متفق عليه) فليس ذلك بمعنى أنه شخص منحرف بالضرورة، كلا قطعا! وإنما غاية ما يستفاد من العبارة ومن مقتضياتها الدلالية هو أنه شخص لم يجلس مع الجلساء لقصد التلاوة والتدارس، أو لقصد التعبد، وإنما جاء لغرض له عند أحدهم فهو ينتظره مثلا، أو نحو ذلك من المعاني التي لا تقدح في صلاحه ومروءته. وعبارة الحديث لا تمنع أن يكون الرجل من الصالحين! ولذلك لحق بهم، ما دام هو الآن جالس في مجلسهم، ولو لغير قصدهم في هذه الساعة! وهذا - مع ذلك - لا يمنع أن يقصد قصدهم فيها بالتبع لا بالأصالة، كما يعبر الأصوليون!