فهرس الكتاب

الصفحة 57 من 101

الإيمان، ولا حركة إلا بِمُحَرِّك! فكيف ينطلق النور؟ وكيف يتوهج القرآن؟ وهذا القلب جامد هامد، لا تهب به رياح الأشواق؟

وعليه؛ فإن مجالس القرآن بما تتضمنه من أسرار هذا المنهج، وبما تتيحه من تهييج الشوق إلى الله، وإكْسَابِ القلبِ هذه الصفةَ الحركيةَ الوجدانية، خصلةً ذاتيةً ومهارةً حيويةً؛ تجعل الْجُلَسَاءَ الْمُتَحَلِّقينَ بها أشْبَهَ - فعلا - ما يكونون بالسُّرُجِ والْمَصَابيحِ المعلقة في السماء! تشع بالنور وهي تدور بأفلاكها سيرًا إلى الله .. وذلك بما يَنْقَدِحُ في قلوبهم من نور الإيمان! وأسرار القرآن! واقرأ إن شئت - على هذا الوِزَان - آية النور من سورة النور! وإنها لآيةٌ وأيُّ آية! فأبْصِرْ .. !

قال الله جَلَّ ثناؤه وتقدست أسماؤه: (اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ. مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ. يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ. وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ.) (النور:35)

فالآية مَثَلٌ ضربه الله جل جلاله للقرآن في قلب العبد المؤمن عندما يتوهج إيمانه، ويَتَّقِدُ وجدانه؛ بما يتدفق عليه من زيت القرآن وهو آياته البينات! فذلك: نورٌ على نور! فالمشكاة: هي صدر المؤمن. والمصباح هو: القرآن. والزجاجة هي: قلب المؤمن. فكلما اشتغل العبد بِوَارِدِ القرآن تَوَهَّجَ الإيمان بقلبه واشتعل؛ فتدفق منه النور! فهو لذلك كالكوكب الدُّرِّيّ النابضِ بالحسن والجمال في علياء السماء! فإلى نحو هذا المعنى ذهب الإمام أبو جعفر الطبري رحمه الله في تفسير الآية؛ نقلا عن عدد من سلف الصحابة والتابعين، منهم أُبَيّ بن كعب، وابن عباس رضي الله عنهما [1]

وإذا أردت أن تشاهد كيف يفيض نورُ الله على عباده وأوليائه؛ فشاهِدْ قولَ الله جل وعلا: (اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ!) وتَدَبَّرْ أبعادها الكونيةَ

(1) جامع البيان: 18/ 140. نشر دار الفكر، بيروت: 1405 هـ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت