الصفحة 15 من 99

أرادَ درويش أن يضعَ بين يدي المتلقي -وقبل أن يسمحَ لهُ بالدخول إلى عالمِهِ الخاص- تجربةً مشابهةً إلى حدٍ بعيد؛ مشابهة في الرحيل الدائم والمستمر حتى لكأن الرِحال هي أرضُ الشاعِر، مشابهة في ضياع الحُلم، وانكسار بقاياه، في الخذلان، وتنكّر الأصدقاء والإخوان، في الهزيمةِ وغيرها، ولو عُدنا إلى قصيدة المتنبي؛ تلك التي اجتزأَ منها درويش ذلك الشطر لوقعنا على الكثير مما قلت:

بقائي شاءَ ليسَ هُمُ ارتحالا ... وحُسنَ الصبرِ زمّوا لا الجمالا

تولّوا بَغْتَةً فكأنَ بينًا ... تهيّبني ففاجأني اغتيالا

فكانَ مسير عيسهِمِ ذَميلًا ... وسيرُ الدمعِ إثرهُمُ انهمالا

كأن العيس كانت فوق جفني ... مُناخاتٍ فلّما ثرنَ سالا

ألفتُ تَرَحّلي وجعلتُ أرضي ... قتودي والغُرَيْريَّ الجُلالا

فما حاولتُ في أرضٍ مُقامًا ... ولا أزمعتُ عن أرضٍ زوالا

على قلقٍ كأن الريحَ تحتي ... أوجهها جنوبًا أو شمالا (13)

وحين نترك المتنبي وندخلُ عالم محمود درويش تطالعنا قصيدتُهُ التي عنوانها"سنخرج":

"سنخرجُ؛"

قلنا: سنخرجُ؛

قلنا لكم: سوفَ نخرجُ مِنا قليلا، سنخرجُ منا

إلى هامشٍ أبيضٍ نتأمّلُ معنى الدخول ومعنى الخروج

سنخرجُ للتوِ" (14) ."

فنحسُّ ونحن نقرأ، أننا لم ندخل عُزّلًا؛ لقد تمكنَ ذلكَ الشطر الصغير -بما استدعاهُ في ذاكرتنا- من شحننا بطاقةٍ إضافية من المشاعِر والأفكار ستكون عونًا لنا في فهم نصوص درويش وحالتِهِ النفسية والوجدانية، وعونًا لهُ علينا في الارتقاء بتلك المشاعِرِ والأفكار ومواصلة البناء عليها عبرَ ست عشرة قصيدة؛ كلها لها طعم الرحيل والاغتراب (سنخرجُ، نزل على البحر، غبار القوافل، عزفٌ منفرد، هذا خريفي كلّه ... الخ) .

والأمثلةُ ليست قليلة على هذا الشكل من أشكال التعامل مع المتنبيّ؛ فلفايز خضّور -على سبيل المثال- قصيدة عنوانها"المتنبي يقرأ في كتاب قاسيون"؛ تتألف من مقدّمة وستة فصول، استهلّها الشاعرُ بأبيات من شعر المتنبي، وأدونيس يفعل الشيء ذاته في ديوانه الأخير"الكتاب"؛ حيثُ يفتتح معظم فصوله

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت