الصفحة 41 من 99

رغم أنها - كما قدّمتُ- مكتوبة سنة 1973؛ ولعلَّ فايز خضّور حينها، خالفَ معظم شعراء العربيّة الذينَ تناولوا هذهِ الحرب، وماكانَ بإمكان القارئ يومها أن يجدَ عُذرًا للشاعر، إلا بنزعة التشاؤم التي تقلب الأمور، لكنُهُ -أي القارئ- وبعد فترةٍ غير طويلة سيصل لجوهر هذا الشعور؛ وسيصلُ إلى ماقاله محمود درويش ذات يوم:

"فقد يكذبُ الأنبياءُ"

وقد يصدقُ الشعراءُ كثيرًا .." (88) "

ومن الذي كان يدفَعُ الثمن دائمًا؛ إنها الجموع الفقيرة التي تزدادُ فقرًا إثر الحرب:

"وحدنا، ننتخي، نحضنُ اللعبة الأزليّةَ"

نفنى، نصدّقُ كلَّ الأكاذيب

نمضي شقائقَ في معمعان الشهادةِ

ماذا نقولُ لأطفالنا

بعدَ أن شَرّشَ الجوعُ والبردُ

يومَ الزعاماتُ

لاتعرف الجوعَ والبردَ .." (89) "

لأمل دنقل - كما أسلفت- قصيدة عنوانها"من مذكرات المتنبي في مصر"، وقد استخدمَ الشاعرَ شخصيّة المتنبي قناعًا أرادَ من خلاله إيصال مجموعة من المواقف والآراء، بل وتمكّنَ من جعلِ هذهِ الشخصيّة عنوانًا على مرحلة تمرُّ بها مصر في الستينات وتحديدًا بعد النكسة، لقد أنشدَ دنقل من البدايةِ حتى النهاية بلسان المتنبي، وكان يتبنّي مواقف وأحلام هذه الشخصيّة التي بَثَّ في عروقها شيئًا من دمِهِ هو.

كل ذلك جاءَ بأسلوبٍ قصصي ناجح؛ وهذا ماجعلني أعتَبرُ أن دنقل لبسَ هذه الشخصيّة قناعًا؛ وهذهِ التقنيّة التي مَنَحها إسمَها الشاعر ييتس تقومُ على أن"يحقن الشاعِر أبطاله التاريخيين بوعيٍ مُعاصر" (90)

فيفهمون بعدَ ذلك أفعالهم القديمة من خلال هذا الوعي وكانَ الأمرُ قبلَ ييتس مختلفًا عن ذلك فبراوننغ مثلًا"يأخذُ أبطاله من التاريخ ويتركهم يسردونَ أفعالهم بلسانهم وضمن حدود وعيهم التاريخي، تاركًا وعي القارئ يشترك مع وعي الشاعِر في تحليلِ أفعال المتكلم". (91)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت