لولا طماحُكَ ماغنّيتَ قافيةً ... بوّأتَها الشمس، أو قَلّدتها الحِقبا (35)
ويسرعُ الأخطل يقارنُ بينَ فتوحات الشعر وفتوحات الجيوش، ونلاحظُ أن لغة الأخطل العذبة الغنائية بدأت تستعيرُ شيئًا من لغة المتنبي نفسه، ومن طريقتِهِ في الحكمة:
أبا الفتوحاتِ لم تُزجِ الخميس لها ... ولا لبستَ إليها البيضَ واليَلَبا
ما الفتح أهدى إليكَ الروضَ والسُحُبا ... كالفتح جَرّ عليكَ الويل والحَرَبا
قد يؤثر الدهرُ إنسانًا فيحرمُهُ ... من يمنع الشيءَ أحيانًا فقد وهَبَا (36)
ولا ينسى الأخطل أن يذكّر المتبني، أن مصيرَ النوابغ واحدٌ في كل عصر:
عفوًا بني القوافي، أي نابغةٍ ... لم يزرعوا حولَهُ البهتان والكذبا
منعتَ عنهم ضياءَ الشمسِ فانحجبوا ... فهل تلومُهُم إن مَزّقوا الحُجُبا (37)
وهكذا نلاحظ أن المتنبي عند الأخطل لم يرقَ إلى مستوى الرمز، ومااستطاع الشاعِر -وربّما لم يُرد- إخراج هذهِ الشخصيّة ولو قليلًا من زمنها، فظلّت تعيش في القرن الرابع الهجري، وظل الأخطل يخاطبها من بعيد، بل لعلّ خطابه- على جمالِهِ وعذوبته- كان أقل من أن يحيط بشيء من أبعاد هذهِ الشخصيّة التي استوعبت عقائد المتصوّفة والشيعة، وألمّت بالفلسفة والمنطق ووظفت كل هذهِ المعارف في الشعر.
لا أعتقد أن أبا ريشة أصابَ نجاحًا أكبر من بشارة الخوري في التعامل مع شخصيّة المتنبي، والسبب أن الشاعِر تعاملَ مع هذهِ الشخصيّة دون رؤيا جديدة؛ لقد قرأ قصيدته في جامعة دمشق في المهرجان الألفي لأبي الطيب وكان عنوانها"شاعِرٌ وشاعِر"، وقد كان كعادتهِ حسن الاستهلال عذبًا، غنيَ الصور حين بدأ يتحدثُ عن نفسهِ -لاريب- مستَعْرِضًا الوجود إصباحًا و إمساءً، رعدًا وبرقًا، ورياضًا تبتسمُ جداول وربًا تفوحُ بعطورها، فكان لهُ أن يفضَّ عن الحياةِ نقابها الخادع وأن يصلَ إلى إضمامةٍ من الأفكار الهامة قدَّمها للسامعين- وللقراء فيما بعد- كما تقدّمُ الزهور؛ منها:
كم على تُربةِ الزمان من الأوتار ... ظلّت في نضرةٍ وبهاء
دفقاتُ التذكار تغسلُ عنها ... في غبار النسيان كل غشاء