"المتنبي"
حرفٌ ذهبي
مسطورٌ في أبهى كُتُبِ:
(عش في الدُنيا بفروسيّهْ
واطلب ماعشت الحريّهْ)" (73) "
لقد عاش المتنبي حياته بفروسيّة، ودفَعَ دمه في النهاية ثمنًا لذلك؛ ولقد غنّى للحريّةِ دومًا؛ وكان كلّما أحسَ بأنه سيفقدها لسبب أو لآخر فَضّل حياة الرحيل والتنقّل، للقصيدةِ جانبٌ تربويٌّ تعليمي واضح لكن ذلكَ جاء بثوبٍ زاهٍ قشيب وكانت القصيدةُ للصغارِ والكبار ككلِ الشعرِ الجميل.
وقبلَ أن ننتقلَ إلى النمط التالي، من أنماط التعامل مع المتنبي لابُدّ لنا كي نكونَ موضوعيين أن نعترفَ أن توظيف الشخصيات التراثيّة؛ واستحضارها بشكلٍ فني إيحائي، واستدعاءها رموزًا تحملُ أبعادًا جديدة معاصرة قادرة على تقديم الرؤية الشعرية للشاعِر العربي الحديث،"بحيث يسقط الشاعِر على معطيات التراث ملامح معاناتِهِ الخاصة، فتصبح هذهِ المعطيات معطيات تُراثية -مُعاصرة، تعبرُ عن أشد هموم الشاعِر المعاصر خصوصيّةً ومعاصرة، في الوقت الذي تحملُ فيه كل عراقة التراث وكل أصالته، وبهذا تغدو عناصر التُراث خيوطًا أصيلة من نسج الرؤية الشعرية المعاصرة، وليست شيئًا مقحمًا عليها أو مفروضًا عليها من الخارج" (74) ؛ إن مثل هذا التوظيف أمرٌ ليس قديمًا بالنسبة لشعرنا العربي، وربّما عرفناهُ على وجهِ التقريبِ منذ أربعة عقودٍ؛ وبالتالي علينا حين ننظرُ إلى تجربةِ عمر أبي ريشة والقروي والأخطل مع المتنبي (قصائدهم مكتوبة سنة 1935) ، أن نراعي هذهِ المسألة.
القصائد التي تنضوي تحت هذا النمط من التعامل مع شخصيّة المتنبي، يحمّلها أصحابها جزءًا كبيرًا من المواقف التي فرضتها المرحلة التي كُتبت فيها هذهِ القصائد؛ وذلك انطلاقًا من سمات متشابهة بين تلكَ الحقبة التي عاش فيها المتنبي؛ وتلك التي يعيشها الشعراء المعاصرون أنفسهم؛ بمعنى آخر قد نَرَى شاعِرًا يستحضرُ -من خلالِ استدعائِهِ للمتنبي- تلك التجزئة والفرقة اللتين عاشهما العالم العربي في