أبدًا ترقصُ الحياةُ، وسمعُ ... الدهرِ في نشوةِ من الإصغاء
أمِنتْ ريشةُ الفناءِ فما زالَ ... صداها ذاك القريب النائي (38)
ولا شك أن من أهمِ هذهِ الأوتار الخالدة هو الشاعر المتنبي:
بينَ تلكَ الأوتار في عالمها ... وترٌ صيغَ من سنا الصحراءِ!
غمرَ العربَ سحرهُ الفاتن البكرُ ... وناداهم بخيرِ نداءِ!
فيه من غضبةِ الإباء على الضيمِ ... وفيه من بسمةِ العلياء
يحبسُ الدمعةَ التي سكبتها ... في سخاءٍ محاجرُ البؤساءِ (39)
ويجهدُ أبو ريشة للإحاطةِ بأوصاف هذهِ الشخصيّة ويكون لهُ ما أراد، ولكن تلك المناسبة التي كتبَ الشاعِر قصيدته بسببها لعبت -فيما أعتقد- دورًا سلبيًا، من حيث أنها جعلت الشاعِر غارقًا في الماضي فقط، ولم يصحُ إلا في آخر قصيدتِهِ حين يقول:
شاعر العربِ، غضَّ طرفكَ ... فالعربُ حيارى في قبضةٍ عَسْراء
يخجلُ المجدُ أن يرى الليث شلوًا ... تحتَ أنيابِ حيّةٍ ... رقطاء
أينَ لمعُ المُنى وحمحمةُ الخيلِ ... ووهجُ القنا وخفق اللواء
كيف أُهدي إليكَ بعض الأغاني ... وجراح الأيام خلفَ ردائي (49)
ومن هنا أعود لرأيٍ للشاعِر شوقي بغدادي؛ حينَ كتبَ في معرضِ حديثه عن"الزباء كما هي". قالَ:
"استلهام التاريخ في سبيل إنجاز أثر أدبي بالغ الصعوبة هو أصعب من الكتابة التي تستلهم الواقع الراهن" (41) .
وذلك لأن هذهِ العملية كما عَبّر د. طيب تيزيني:"عملية معقّدة تقتضي اكتشاف الحدث الماضي (التاريخي) ، في صيغته الأصليّة، بهدفِ تمثّلِهِ واستخلاص مايمكن استلهامه منه، وهذا يتطلّبُ فهمًا عميقًا للماضي والحاضر، كما يشترط امتلاك أداة البحث (الجدليّة التاريخية التُراثية) على نحوٍ يسلّط الأضواء على المشكلة، وذلك في سياق الفعل الاجتماعي النشيط المبدع" (42)
ولرشيد سليم الخوري قصيدة عنوانها"نبي"، ألقاها الشاعِر سنة 1935، في