"للنيلِ عادتُهُ"
وقلبي لاتغيّرهُ الرياحُ الموسميّةْ
فإذا تخاذَلَ متعبونَ على الطريقِ
وخَلّفوكَ بغير زاد
فاصبر قليلًا إن سربكَ سوفَ
يأتي من مضاربَ لاتغادرها الحميّةْ
إن الصراعَ هو الصراعُ
وإن أُصارع لو عصتْ قدمٌ، ولو كَلّتْ ذراعُ ..
والنيلُ لاينسى، ولايُلهيهِ عن عطشي الضياعُ
للنيلِ عادتُهُ
ونيلي لايشتُّ ولايُراعُ
ولايكفُّ عن المسيلْ"125"
وهكذا نلاحظ أن صورة المتنبي التُراثية المحذّرة والمنبهة إلى خطر الروم من الخارج، وخطر الملوك العبيد من الداخل، والشرذمة، والاحتراب بين الاخوة، بما لبستهُ هذهِ الصورة من أبعاد جديدة ووعيٍ معاصرٍ متميّز، تنقلبُ إلى مُعادلٍ مُعاصر هو صحية محمود درويش وربّما عَلّوش في زمن قريبِ الشبهِ من زمن الجد العظيم.
قصيدة البياتي التي عنوانها"موت المتنبي"المكتوبة سنة 1963 هي إحدى أهم القصائد التي اتخذت شخصيّة المتنبي محورًا لها، والتي كان من الممكن دراستها تحت ذلك النمط، إلا أنني فضلتُ اتخاذها مثالًا على القصائد التي تتعامل مع هذهِ الشخصيّة كمعادلٍ تُراثي لبعدٍ من أبعاد التجربة المعاشة للشاعرِ نفسه، هذا البعد هو:"الصراع الأبدي بين الفنان، ومايملكهُ من طاقات هائلة على الخلق والإبداع، وبين السلطة الزمنية الغاشمة وماتملكهُ من أساليب البطش والخداع والمكر! هذا الصراع الأبدي الذي ينتهي بموت الفنان الفاجع؛ الموت الذي لايعني أن دورهُ قد انتهى على مدى التاريخ، بل ذاك الذي يعني الولادة الحقيقيّة على مدى التاريخ"126، وإن كانت القصيدة قد تخطّت هذا البعد- على اتساعه- وحاولت أن تقول أكثر مما ينبغي.
القصيدة لاتكتفي بقناع المتنبي، بل توّظف مجموعة من الأصوات تساعِدُ في إضاءةِ هذهِ الشخصيّة التي يتقمّصها البياتي في بعض المقاطع.
والبياتي أكثر الشعراء العرب المعاصرين تعاملًا بِأسلوبِ القناع، وهو يقولُ