في ذراع المركب المقلع، في شعر الرياحْ" (183) "
ورغم كثرة الرموز (طيبة، هيلين، روما، شمشون، إيريا، طروادة، ايزوريس .. الخ) وانغراسها في الماضي السحيق؛ إلا أن هذا الصوت المنْشِد القريب جدًا من صوت لوركا (رُبّما بسبب استعارة عُمران لأجواء القصيدة، وبعض عباراتها) ؛ يجعلنا نرى في طيبة التي يقدّمها الشاعر عمران كنموذج ورمزٍ لفقدان البكارة وتفشّي الطاعون- مدريد الحرب الأهليّة، وربّما أية مدينة عربيّة مُعاصرة.
ويأتي المقطع الثاني من هذا الفصل ينضحُ تفاؤلًا وتصميمًا رغم كل ماقدّمه المقطع الأول من رؤية مغرقة في سوداويتها:
"أقولُ: قناطرُ الإنسان لم تسقطْ"
أقولُ: البحرُ ليس يمجُّ قارًا. أرضنا ليست
خرابًا ....
تعرّتْ طيبةُ اغتسلتْ
وجوكستُ التي انتحرت
تعودُ اليوم عذراءُ
استعادَ الضوء أوديبُ" (184) "
وفي الدخول الأخير يجيءُ صوت محمّد عمران صافيًا متفائلًا بقدرتهِ وقدرة أرضهِ:
"جسدي ينهضُ من نوم الحجرْ"
اخلعي ثوبكِ ياأرضَ كآباتي، اتبعي وقعَ
خطا قلبي على درب الرياح العاصفهْ.
اتبعيني. اقتلعي أشجارك البيضاء، أنهاركِ
وردَ الحزن، زهر الصمتِ، أقدام الجنون
الخائفهْ" (185) "
إن نظرة شاملة إلى نص عمران السابق تؤكّد لنا أن الشاعر استطاع أن يستفيد بشكلٍ كبيرٍ من مخزون الذاكرة لديه هذا المخزون المكّون من نصوص قديمة ومعاصرة وأساطير وتاريخ وتراث شعري؛ مما يؤكد أن النص المعاصر بصورةٍ ماليس إلا تشكيلًا عضويًا حداثيًا لمجموعة من النصوص القديمة التي يُحسنُ الشاعرُ توظيفها بطريقةٍ معاصرة. (186)
يقعُ المتنبي موقعًا عظيمًا في نفسِ أدونيس، ولا تكاد تقرأُ عملًا نقديًا أو إبداعيًا لهذا الشاعر، إلا وترى أو تحس حضورًا ما: ساطعًا أو خفيًّا لأبي الطيب،