الصفحة 77 من 99

كيفَ لا و"شعرهُ كتابٌ في عظمةِ الشخصِ الإنسانيّة" (187) وهو دائمًا وعلى المستوى الإبداعي"مسكونٌ بهاجسٍ وحيد: ببدايةٍ أعمق أصلًا، وبكارة أكثر عذرية" (188) ، إنهُ شاعِر الحركة والحياة،"يعرفُ أنّ المكان المباشر سُرعان مايصيرُ آسنًا، فالوقوفُ عندهُ دلالة العجز" (189) .

وعلى المستوى الشخصي ... أليسَ هناك ما يُغري شاعرًا كأدونيس بأبي الطيب؟ بلى؛ إنّه التشابه الكبير -ومن وجهة نظر أدونيس- بينَهُ وبين المتنبي؛ وقد رأت أسيمة درويش أن هناك تماثُلًا كبيرًا بين سيرتي حياتهما، تماثلًا يبلغُ حد التطابق، على مستوى الفروع والأصول (190) ، وقد وثّقت ذلك بشواهد من"الكتاب"نفسه، فلكليهما أبٌ فقيرٌ من عامة الناسِ، وقد بدأ كل منهما يكتبُ الشعر في سنوات الطفولة المبكّرة، ولكلٍ منهما لقبٌ غلبَ عليهِ وعُرِفَ بهِ، بالإضافة لغيرها من الأسباب، كل هذه الأمور وغيرها جعلت أدونيس في ديوانِهِ الجديد الصادر عن دار الساقي وعنوانُهُ"الكتاب"، يتخذُ من هذهِ الشخصيّة وسيلةً، وفرسًا لطرحِ رؤياهِ في التاريخ العربي والإسلامي؛ وبصورةٍ ما في الذات العربيّة، من خلالِ قراءة شعريّة تاريخيّة، يستعيدُ فيها هذا التاريخ -أو الكثير منه-على ضوءِ الحاضر المعاش.

يقعُ"الكتاب"في ثلاثمئة وثمانين صفحة من القطع الكبير، وهو عملٌ هامٌ وضخم، ولا أزعمُ أنني في هذه الفقرة قادرٌ على الإحاطة بهِ، ولهذا فسأتناوله -كما يشير عنوان الفقرة ذاتها- من زاويةِ تعامِلِهِ مع شخصيّة المتنبي، ولا مفر في البداية من وصف هذا الكتاب لتسهيل -تناوله.

يحملُ العملُ بالإضافة لعنوانِهِ الرئيس"الكتاب"عنوانًا فرعيًّا"أمس المكان الآن"، بالإضافة لرقم (I) أسفل العنوان الفرعي، وهذا يعني أننا أمام الجزء الأول من"الكتاب"، وهو جزءٌ يتناول ماضي هذا المكان .... وحين نقرؤه؛ نجدهُ يتناول فترة طويلة من تاريخنا، تبدأ من صدر الإسلام وتنتهي بالعصر العبّاسي، وهذا رُبّما يعني أن الشاعر سيتابع مشروعه ليصل إلى الحاضر، وقد يستشرف المستقبل [1] ، وعليه فسنفهم سبب تسمية هذا العمل"بالكتاب"، بما في هذهِ التسميه من رغبة في إسباغ الأهميّة والرفعة، سيّما وأن الشاعِر يحاولُ فيهِ أن يقدّم مشروعًا فنيًّا وفكريًّا مبنيًا على التاريخ.

يتألفُ الكتابُ من عشرة فصول، تَدلُّ الأرقامُ الرومانيّة (I-X) على ترتيبها، ويستهلُ الشاعِرُ ثمانية منها بشطرٍ أو بيتٍ من شعر المتنبي، وتفصلُ الفصولَ

(1) صدر الجزء الثاني من"الكتاب"قبل نشر هذهِ الدراسة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت