بنصٍ للمتنبي، ولكنني سأتناولُ هذين المثالين بشيءٍ من التفصيل في الفقرات اللاحقة.
هنا يعمدُ الشاعِرُ إلى استخدام شخصيّة المتنبي بشكلٍ عابر، من خلال الإشارة إلى شيءٍ يخصّه (اسم، موقف، فكرة ما ... ) ، فيخصصُ لهُ فقرة ضمن القصيدة؛ محاولًا شحن القصيدة بطاقة إيحائية كبيرة تأتي من خارج النص؛ وتكون عونًا للشاعِر، والأمثلة على ذلك كثيرة، منها استدعاء أدونيس العَرَضي للمتنبي في قصيدتِهِ"قبلَ أن ينتهي الغناء"، وهي من قصائده الجميلة التي تنضحُ من طفولتِهِ وذكرياتِهِ في القرية.
يبدأ أدونيس سفر التذكّر بغناءٍ عذب:
"عنقٌ جامِحٌ، عنقٌ حائِرُ-"
الغيومُ تحيكُ عباءاتِها
والرياحُ تجيءُ خفافًا على صهواتِ الحقولْ" (15) ."
والشاعِرُ يبني قصيدته، وكأنّهُ يرى الأشياءَ من بعدينِ مختلفين جدًا؛ من أعلى؛ وكأنه يمتلكُ عين طائرٍ يحلّقُ فوق الجبالِ والسهولِ، فيلتقطُ مشهدًا عامًا لكل شيء .. للقرى وهي تتدلّى من ذؤاباتِ القمم، لساحَةِ القرية يجلسُ المتعبونَ فيها ويدور الحديث، للشتاء وهو ينزلُ من ذراه ليغطي العتبات، وما إلى ذلك.
والعين الأخرى هي عين الطفل نفسه، الذي يرى البيتَ بحبقِهِ ونعناعِهِ، والحقول التي يركضُ فيها ويُلاعُبها ويحدّثها حديثًا لم يعدْ يذكر منهُ إلا هرج العصافير؛ تغزو وتختارُ أشهى الثمار، ومن تلكَ الذكريات مايلي:
"يسمَعَ الطفلُ، ينهضُ، يمضي"
ساعة الدرسِ حانتْ، والقناديلُ لازيتَ فيها.
شمعةٌ حامِلُ
وضعتْ نورها
بين أهدابهِ
نورها عاشقٌ ناحِلُ
لن يكون له أن يحيي
هذهِ الليلةَ المتنبي:
الهلالُ الذي يستضيءُ بهِ آفلُ" (16) ."