لقد جاء ذكر المتنبي هنا عارضًا؛ إنه أحد مكوّنات ذكريات الشاعِر، فقد كان يقرأهُ طفلًا كل ليلة؛ لكنّهُ في تلكَ الليلة، حيثُ لازيتَ في القنديل، وليس هناك إلا شمعة ناحلة، فمن المتعذّر أن يحيّيه حتى؛ قبل أن ينام.
والشاهدُ الآخر أختارُهُ لمحمود درويش: مِن قصيدتِهِ"أرى شبحي قادمًا من بعيد"، التي يبدأها قائلًا:
"أطلُّ كشرفةِ بيتٍ على ما أريد"إلى أن يقول:
"أطلُّ على اسمِ أبي الطيب المتنبي"
المسافِر من طبريا إلى مصرَ
فوقَ حصان النشيد" (17) ."
والحقيقة أن محمود درويش بهذهِ القصيدة يطلُّ على المكان الواحد، في أزمنة متعدّدة ومتعاقبة، فكأني به رياضيًا، أو فيزيائيًا يثبّتُ إحداثيات المكان (س، ع، ص) ، ويغيّر إحداثي الزمن (ز) ، فيرى من مكانهِ كل ما مَرّ على هذهِ البلاد، ويحاول أن يستشرف المستقبل، وبالتالي فاستحضارُهُ للمتنبي وغيره من رموز القصيدة ناجحٌ وموّظف.
وقد يكون الاستدعاء العرضي للشخصيّة انطلاقًا من صفاتِها أو بعض ميزاتِها دون اللجوء إلى الاسم؛ كما يفعل شوقي بغدادي في قصيدة عنوانها"سطران في آخر الشوق/ مكاشفة وداعيّة في الستين"- وهي سيرة الشاعر الذاتية مقدّمة بشكلٍ مكثّف وآسر؛ يقول شوقي:
"تُراني لأني ادعيتُ النبوّةَ"
ثمَّ تماديتُ حتى سددتُ على الآخرين
فأوهمتهم أنني خاتم الأنبياءْ.
لقد حاورتني البلابلُ يومًا،
وما كانَ يكفي الحوارُ لكي أتكرّسَ،
ثم أقود المغنينَ
من أين لي كل هذي المواهبِ
كيف اقتنعتُ بأني ربُّ الغناءْ" (18) ."
إن هذا المقطع متعدد الدلالات والإحالات، لكنهُ -من وجهةِ نظري- يحيل أولًا إلى أبي الطيّب الشاعِر، الذي تروي إحدى الحكايات أنه ادعى النبوّة، حين كان في حمص، وسجنَهُ أميرُها لؤلؤ لهذا السبب- بغض النظر عن مصداقيّة هذهِ الحكاية التي يختلفُ فيها مؤرخو الأدب والنقّاد- وذلكَ لأن المتحدّث شاعِرٌ بالدرجة الأولى وليسَ باحثًا أو ناقدًا مثلًا، شاعِرٌ يتحدّثُ عن تجربتهِ الخاصة،