الصفحة 18 من 99

وحياته التي عاشها بكل أبعادها، بكلِ حلاوتها ومرارتها؛ وثانيًا لأن المقطع يستندُ أيضًا إلى مايحملهُ الكثير من شعر المتنبي من"نزعةِ الزراية، ونزعة السيطرة" (19) - على حد تعبير يوسف سامي اليوسف.

وقد يعمدُ الشعراءُ إلى استدعائِهِ مستفيدين من أشعاره ذائعة الصيت؛ وهذا مافعلهُ محمّد عُمران في ديوانهِ- الذي سأعودُ إليه لاحقًا- وعنوانه"الدخول في شعب بوان"، خاصةً في القصيدتين الأولى"الدخول الأوّل -بوّان"، والثانية"الدخول الثاني -المجيء من الماء".

وينجحُ عمران في مواضع كثيرة منها حين يقول:

"حرنت خيلي هنا،"

الفرسانُ مرّوا في طريق الريح،

هذي لغةٌ تمسكُ بي، وجهٌ من الضوءِ،

يناديني، عصافيرُ من الأعشاب. هذي

شفةٌ تخطفني ..." (20) "

هكذا تبدأُ القصيدةُ الأولى من الديوان ونلاحظ أن الشاعر يُريدُ أن يتقمّص شخصيّة المتنبي معتمدًا على قولِهِ:

طَبَتْ فرسانُنا والخيلُ حتى ... خشيتُ وإن كَرُمنَ من الحِرانِ (21)

وينجحُ في ذلك حين يتابعُ الغناء بصوت المتنبي نفسه متكئًا إلى بيتٍ آخر من القصيدة نفسها:

"آه،"

يا ملعبَ خيل الجنِ، لو سار سليمانُ

لنادى تُرجمانًا، غير أني

قاريءٌ كل لغاتِ الصحو في عينيكَ،

استظهرها حرفًا فحرفًا" (22) ."

لكن محمّد عمران لا يستطيعُ أن يفلت من تأثير قصيدة المتنبي عليه: فيظل طويلًا سابحًا في أجوائها، حتى أن بعض المقاطع لا يضيفُ شيئًا لا على صعيد المعنى ولا في اتجاه تعميق رمزٍ كأن يقول:

"يسقطُ الشرقُ في ثيابي دنانيرًا"

شرابًا بلا أوانٍ

يصلُّ الماءُ كالحلي في حصى النفس" (23) ."

في المقطع السابق يقذفُ الشرقُ في ثياب الشاعر دنانير وشرابًا بلا أوانٍ، ويصلَّ الماء في حصى النفسِ كالحلي .. وهذا مَسْخٌ ونثرٌ مشوّه لقول المتنبي:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت