لعلّ هذا النمط من التعامل مع شخصيّة المتنبي هو الأكثر شيوعًا، بين شُعرائنا؛ حيثُ يقفُ بعضهم قبالة شخصه ويخاطبونهُ، منهم من يثني عليه ويعظّمُهُ فارسًا وشاعِرًا، وصاحب طموحٍ جليل، وبعضهم يعاتبه ويستنكر عليه أن يمدحَ فلانًا، وأن يقبضَ ثمنًا لشعرهِ أو أن يطمحَ للحصول على إمارة، وماشابه ذلك لنقرأ مثلًا مايقوله خضر الحمصي:
يسرُّ فؤادي في هواكَ عتابُ ... إذا قلتُ شعرًا هل لديكَ جوابُ؟
أبا محسدٍ والمجدُ أنتَ قرينُهُ ... جناحاكَ في عصفِ الرياحِ ركابُ
مدحتَ كرامًا واستهنتَ بغيرهم ... ونمتَ قريرًا، والأنامُ غضابُ
تجاوزتَ بالهجوِ المريرِ لمعشرٍ ... كرامٍ فهل هجو الكرامِ صوابُ؟
ومدحكَ كافورًا تريدُ ولايةً ... فهل نفعَ المخصيّ منكَ خطابُ (30)
ومثل هؤلاء الشعراء- برأيي- هم استمرارٌ للخصومة القديمة في أبي الطيّب، التي كانت قائمة بين فريقين، أولهما يكنُّ عداءً شديدًا للشاعر ويحاولُ تحطيمه، بما أوتيَ من وسائل، وثانيهما متعصبُّ له ويسعى إلى إبعادهِ عن المزالق والشبهات، وكلا الفريقين يتسلّحُ بوجهة نظر تبتعدُ عن الدقةِ والموضوعيّة وروح العمق والتحليل.
وتكادُ لا تخرجُ عن هذا النمط أيّة قصيدة، من القصائد التي قيلتْ في المناسبات الاحتفاليّة المختلفة تكريمًا لأبي الطيّب؛ خاصةً تلكَ التي قيلت في بعضِ المُدن العربية والأجنبيّة في الذكرى الألفيّة لوفاة الشاعِر (31) ؛ لكن أصحاب تلك القصائد -عمومًا- تعاملوا مع المتنبي كشخصٍ عظيمٍ وشاعر كبير عاشَ في زمنٍ سالف، ورغمَ جودَةِ وجمال الكثير من تلك القصائد، إلا أنّها لم توّظف المتنبي رمزًا تُراثيًا يشيرُ إلى شيءٍ مُعاصر؛ وظلَّ تعاملها معَهُ من هذهِ الزاوية قاصرًا وضيّقًا.