الصفحة 8 من 99

يلفتُ الانتباه هذا الحضور الكثيفُ لشخصيّة المتنبي، في أعمالِ عددٍ كبير من شعراء العربيّة المعاصرين؛ وهو حضورٌ متعددٌ ومتنوّع، ويختلفُ من شاعرٍ لآخر؛ حتى أن الدارس ليجد صعوبةً في رصدِ جوانبهِ، إذا انبرى لذلك.

إن المتنبي الذي ظهَرَ في القرن الرابع الهجري، بشخصيتهِ الطاغية الجبّارة، فملأَ الدنيا، وشغل الناس، وكانَ موضوع حركةٍ نقديةٍ جديدةٍ في حينها، يعودُ إلينا بصور وأشكال جديدة؛ ولو شئنا التأنّي في النظر إلى هذا الحضور الجديد، لربطناهُ بنظرةِ الشعراء المعاصرين إلى تراثهم، وطرقِ تعاملهم معه، وموقفهم منهُ بشكلٍ عام؛ بينَ شاعرٍ ينطلقُ من موقف المحافظةِ على التراث والاعتصام بهِ، والهروب إليه، وآخر يرفضه ويسعى إلى القطيعة معه، وثالث يستلهمُهُ؛ فيستدعي مايخدمُهُ فنيًا وفكريًا فيصبحُ لديهِ روحًا وطاقةً جديدةً، ولا يتاحُ ذلك للشاعرِ إلا إذا واجهَ تراثَهُ مواجهةً شجاعة فألقاهُ عن ظهرهِ، وتأمّلهُ وأخذَ منهُ مايصلحُ لمستقبل الأيام. (1) .

لعلَّ من حقنا أن نتساءل في البداية: لماذا يختارُ شعراءٌ كالأخطل الصغير وعبد الله البردوني ومحمود درويش وأمل دنقل وسليمان العيسى وفايز خضور وعبد الوهاب البياتي وآخرونَ وآخرون شخصيّة المتنبي من بين ذلك الكم الهائل من الشخصيات التُراثية الهامة لتكونَ في قصائدهم صورةً أو رمزًا أو قناعًا أو سوى ذلك؟!

الإجابة ليست واحدة على الإطلاق، إنها مختلفة كاختلافِ هؤلاء الشعراء، ولو حاولنا أن نجدَ شيئًا منها في بعض ماقالوه، أو كتبوه، لكان لنا ذلك؛ ها هو محمود درويش -على سبيل المثال- يقولُ في حوار معهُ:"كتبتُ حوالي المئة قصيدة، ثمّ انتبهتُ إلى أن المتنبي قال: (على قلقٍ كأن الريحَ تحتي) . أنا كل ما أردتُ أن أقولَهُ، قالَهُ هو في نصف بيت (على قلقٍ كأن الريحَ تحتي) . المتنبي ليسَ فقط مخلصًا لكل ما سبقهُ في الشعر العربي، وإنّما هو مؤسّس لكل الحداثة الشعرية التي تلت؛ ونحنُ نسبَحُ في فضاء المتنبي" (2) .

أما أدونيس فيكتب:"المتنبي يفرزُ نفسَهُ ويعرِضُها عالمًا فسيحًا من اليقين"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت