الصبور. لم تجئْ هذهِ الإضافة إلا عبرَ عناقهم الحار مع التراث الشعري العربي" (12) ."
ونستطيع أن نستمرَ طويلًا في تقديم آراء نقديّة ونصوص إبداعيّة لشعراء مُعاصرين من أجيال مختلفة تبيّن أنهم يمتلكون مواقف ناضجة واعية من التراث مدفوعينَ بمجموعة من الدوافع الفكرية والاجتماعيّة والنفسيّة والفنيّة، التي تآزرت و استطاعت أن تجعل واحدهم يتعامل مع تراث أمته كينبوع غني للقيم الروحيّة الإنسانية، القادرة على رفد الشعر بمزيدٍ من الحيويّة والأصالة، وتخليصه من العفوية الساذجة، والارتقاء بهِ فنيًا ووجدانيًا وفكريًا، لكن هذه الدراسة لا تسعى -كما ألمحتُ أعلاه- إلى إثبات علاقة قائمة أصلًا بين الشاعِر العربي المعاصر وتراث شعبه؛ بقدرِ ماتطمح إلى إضاءة جانب هام من هذا العنوان العريض، وهو مسألة استدعاء الشخصيّات التراثية في القصيدة؛ وذلك من خلالِ استدعاء شخصيّة واحدة على غايةٍ من الأهميّة في تاريخنا الأدبي هي شخصيّة أبي الطيّب المتنبي.
لماذا اخترتُ هذا الموضوع للدراسة؟
لأنني أولًا أراهُ جديدًا، ولم يعطَ حقّهُ من البحث خاصة في الجانب التطبيقي.
وثانيًا: لأن مسألة استلهام الشخصيات التراثية هي أحد الأشكال الأكثر رقيًّا من الناحيّة الفنيّة للتعامل مع التراثُ؛ وإن كانت قد بدأت على ما أعتقد بسبب تضيق الخناق على حُريّة التعبير في الوطن العربي؛ بالإضافة للدافع القومي الكامن وراء استحضار الكثير من شعرائنا لتلك الشخصيات كرد فعلٍ على ما تعرّضَ ويتعرّض له الوطن العربي من احتلالٍ وتقسيم ونهبٍ لثرواتهِ وما إلى ذلك ... مع أننا لا نستطيع أن نغفَل تأثير الشعر الأوربّي على شُعرائنا في هذا الباب خاصةً الروّاد؛ حيثُ راحوا يستخدمون الأساطير كشكلٍ من أشكال التعبير، فاستخدموا: سيزيف وأوليس وبرومثيوس وأوديب وأورفيوس وغيرها من رموز الميثولوجيا الأوربيّة، وشيئًا فشيئًا حَلّت مجموعة من رموزنا التُراثية (إسلاميّة ومسيحيّة وسواها) مكان هذه الرموز في قصائد الجيل الثاني ومن تلاه؛ فأصبحنا نرى: علي بن أبي طالب، والحسين، مريم، إلعازر، المسيح، الحلاّج، زرقاء اليمامة، المتنبي، كليب، مهيار، الحجّاج، عثمان، الرشيد، صقر قريش، وغيرها من الرموز.
حتى أن قارئ الشعر بدأ يُلاحظ أن أكثر الشعراء رغبةً في خلق رموزهم الخاصة بهم دون نبش التاريخ والتُراث، كانوا في لحظات معيّنة و تحت تأثير حالاتٍ وجدانيةٍ واجتماعيةٍ وسياسية مختلفة يجدونَ الرمز التُراثي أو الشخصيّة التراثية يتسللانِ إليهم ويأخذان بأيديهم (13) نحوَ غاياتهم.
أما لماذا اخترتُ المتنبي دون سواه؟
فلسببين أحدهما موضوعي يتمثّلُ بأهميّة المتنبي كشاعرٍ وكشخصيّة محيّرةٍ فريدةٍ في تاريخنا الأدبي، ولأهميّة المرحلة التاريخيّة التي عاش فيها؛ بالإضافة لحضورهِ الكثيف في قصائدنا منذُ الثلثِ الثاني من هذا القرنِ حتى الآن.
والسبب الثاني ذاتي: فقد كتبتُ ذات يوم قصيدة (14) استلهمتُ فيها هذه الشخصيّة، وكنتُ أظن أن من فعلوا ذلكَ قبلي؛ ليسوا بتلك الكثرة وعلى رأسهم: البياتي والبردوني وأمل دنقل ومحمود درويش، ولكنني وبعد أن نشرتُ قصيدتي بدأتُ أنتبه؛ أن عددًا كبيرًا من الشعراء تعامَلَ مع المتنبي، فصرتُ أبحثُ عن هذهِ القصائد وأحاول أن أعللَ نفسي بأنني لمستُ جانبًا لم يلمسهُ الآخرون، حتى كانت هذهِ الدراسة المتواضعة.
1 -من هؤلاء الباحثين عز الدين اسماعيل في كتابهِ"الشعر العربي المعاصر- قضاياهُ وظواهره الفنية والمعنوية"، انظر الفصل الذي عنوانه"الشعر بين العصرية والتراث". الصفحات 9 - 40. جامعة البعث- حمص 1994، وإحسان عباس في مقاله"الموقف من التراث"؛ انظر كتابه"اتجاهات الشعر العربي المعاصر"، الصفحات 137 - 173، سلسلة عالم المعرفة، الكويت 1978، وأحمد بسام ساعي في مقالة"القصيدة والرمز". من كتابه"حركة الشعر الحديث في سوريا- من خلال اعلامه"، دار المأمون للتراث، دمشق 1978 - الصفحات 302 - 377. ونعيم اليافي في مقاله"الشعر العربي الحديث والتراث- بين الهروب والاستدعاء"من كتابه"أوهاج الحداثة- دراسة في القصيدة العربية الحديثة"، اتحاد الكتاب العرب، دمشق، 1993، الصفحات 47 - 93.
2 -من أهم هؤلاء علي عشري زايد، انظر: توظيف التراث العربي في شعرنا المعاصر، مجلة الفصول، القاهرة، المجلد 1، العدد 1، 1980 الصفحات 203 - 219.
3 -نعيم اليافي، أوهاج الحداثة، مصدر سابق، ص 81.
4 -صلاح عبد الصبور، حياتي في الشعر، دار العودة، بيروت، 1977، ص 208.
5 -عبد الوهاب البياتي، تجربتي الشعرية، دار العودة، بيروت، 1968، ص 186.
6 -محيي الدين صبحي، مقابلة مع خليل حاوي، مجلّة المعرفة، العدد 122، عام 1973، ص 97/ نقلًا عن نعيم اليافي، أوهاج الحداثة، مصدر سابق.
7 -جهاد فاضل، أسئلة الشعر، لقاء مع يوسف الخال، الدار العربيّة للكتاب، مغفل التاريخ،