يكونوا سلاحًا من أسلحة الأُمّة:
"وسُلَّ ملحمةَ الجوعى"
وانزل قوافلنا صرعى
إنزل ... شبيبُتنا صرعى
نساؤنا، أهلنا، أطفالنا صرعى" (68) "
وإن استطاع سليمان العيسى أن يتعامل مع المتنبي كرمز؛ فإنّهُ قدّمَ رمزًا مكشوفًا، مُباشرًا، وترك للهاجس السياسي أن يفسدَ عليهِ تماسك الرمز، فيجرّدهُ من بعض الغموض الشفيف المطلوب، فيقع في الخطابة العاطفيّة:
"ونحنُ غزّةُ، نحنُ اللدُّ والنقبُ"
نحنُ الملايينُ، يا وهران ياحلبُ
انزل ...
إلى النارِ سيفُ الدولةِ الرُتَبُ" (69) "
والحقيقة أن مثل هذا التدفق العاطفي، قد يُصبح أحيانًا في غير صالح الشاعَر؛ فإنك لتستغربُ مثلًا كيفَ يكرُّر الشاعِر مفردة واحدة مثل"اللهب"، أربع مَرّات:
اثنتان منها في القافية، بالاضافة لمفردة من المادة نفسها هي"النار"، التي ترد أربع مَرّات أيضًا في حشو الأبيات.
ولو عُدنا للشاهد قبل السابق، لوجدنا أن الشاعر أرادَ أن يعبّر عن فداحة الإصابة بتعداد كل الذين يُصرعون:
"قوافلنا، شبيبتنا، نساؤنا، أهلنا، أطفالنا"، ولو أمعنا النظر في هذهِ المسميّات، للاحظنا كيفَ تتقاطع؛ فعلى الأقل يمكن حذف كلمة"قوافل"، لأن القوافل تحمل الأهل وهم: نساء وأطفال وشبيبة .. الخ.
وفي المقطع الأخير من القصيدة يتركُ الشاعِر أبا الطيب ويخاطبُ"غبشَ الدُنيا"؛ رامزًا بذلك للاستعمار، ويعلنُ أنَّ صوته -بما يمثلهُ صوت الشاعر- سيصل إليه بالقوّة:
"بالنارِ قدّستُ مسراها ستسمعني"
بمنجمِ اللهب الآتي ستسمعني .." (70) "
ويكرر كلمة"تسمعني"أربع مَرّات مؤكدًا من خلال هذا التكرار البياني على دلالة هذهِ العبارة، وموحيًا أنَ السماع لن يكونَ عن طريقِ الأذنِ فقط.
قصيدةُ بيان الصفدي التي عنوانها"المتنبي"تختلفُ عن سابقاتِها؛ بأنها مكتوبة