ويشكو القروي لسيّد الشعر ما ينتابُ الشعراء العباقرة من خذلان وازدراء في زمنٍ لا ميزانَ فيهِ ولا معيار، لكنّهُ يعودُ فيؤكد أن التاريخ قادرٌ في نهايةِ المطاف أن ينصفَ العباقرة والمبدعين والقروي واحدٌ منهم:
أجدنا فجنَ الحاسدونَ وليتنا ... أسأنا ففي بعضِ الإساءة إحسانُ
أغاروا على ألفاظنا بمراقمٍ ... يقرُّ لها بالطعنِ بيضٌ ومُرّانُ (47)
وبالتالي فالحسّادُ هم هم في كل مكانٍ وزمان، وقد نالَ منهم القروي ماكانَ قد نالَهُ المتنبي.
ويختم الشاعِر قصيدتَه بإبداءِ رأيهِ في مكانةِ الشاعر ودوره في حياة أمتهِ وشعبه:
بشاعِرها فلتفتخر كل أمّةٍ ... يُهددها بالموتِ والعار طغيانُ
إذا طويت أعلامُها فهو بيرقٌ ... وإن أُخمِدتْ أنفاسُها فهو بركانُ (47)
ويأسفُ لما آلت إليهِ أمور أمته العريقة، فيحاولُ أن يجدَ سببًا لذلك؛ ولكنُهُ لا يصلُ إلا لما وصلَ إليه المتنبي قبله بألف عام:
وماذا يُرجّي الشاعِرُ الحرُ بينكم ... وماحولَهُ إلا إماءٌ وعبدانُ
تَصرَّمَ عهدُ العزِ واليأس والندى ... وبَدّلَ من أخلاق يعربَ طورانُ
فمالتْ سيوف الدولة البيض أعظُمًا ... وياليتهم فيكم"كوافيرُ"سودانُ (48)
قصيدة البردوني"وردةٌ من دم المتنبي"، قصيدة طويلة؛ وهي تختلف عن سابقتها بأنها ليست قصيدة مناسبة وقد قدّمت رؤية البردوني للمتنبي، وحملت هذهِ الرؤية شيئًا من الاجتهاد:
أنعلوا خيلهُ نضارًا ليفنى ... سيّد الفقرِ تحتَ أذيالِ نُعمى
وجدوا القتلَ بالدنانير أخفى ... للنوايا أمضى من السيف حسما
ناعمَ الذبحِ، لا يعي أيُّ راءٍ ... أينَ أدمى، ولا يرى كيفَ أصمى (49)