زمنِهِ ويسقطهما على الواقع الراهن، فنجدُ المتنبي وقد أمسى عنوانًا لمرحلةِ التجزئة، وقد نجد شاعرًا آخر يستحضرَهُ ليتحدّثَ من خلالِهِ عن قائدٍ كسيف الدولة يقفُ في وجهِ الروم ويحمي بلاد العرب ليصلَ من خلالِ ذلك إلى إدانةِ الواقعِ العربي الراهن كما فعَلَ -على سبيل المثال- محمّد مصطفى درويش في قصيدتِهِ"قراءات محظورة في ذاكرة المتنبي"؛ حيثُ يقول على لسان المتنبي:
"دثّروني"
بالليلِ والجنونِ
يقالُ: سيف الدولةِ انتحرْ
وتُركتْ جثتُهُ وحيدةْ
تنعقُ مثل الريحِ في العراءِ
زَرعتُ قلبَ ساعةٍ مسلولةٍ
في جسد القصيدةْ
ولذتُ بالبكاءِ" (75) "
فيصبحُ استدعاء المتنبي بمرحلتِهِ عنوانًا على مرحلةِ تخاذلٍ أو ماشابه ذلك.
سأتناولُ بشيٍ من التفصيل كمثالٍ على هذا النمط قصيدتين، الأولى لفايز خضّور، عنوانُها"المتنبي يقرأُ في كتاب قاسيون"والثانية لأمل دنقل وعنوانها"من مذكرات المتنبي في مصر"، واللافتُ للانتباه أن قصيدة خضّور مكتوبة بعد حرب تشرين التحريريّة 1973، وقصيدة دنقل بعد نكسةِ حزيران، ولكن سنة 1968.
تتألف قصيدة"المتنبي يقرأ في كتاب قاسيون"من ستة فصول، ومقدّمة جاءت في أربعة مقاطع، وقد استهلَّ الشاعر كلًا من الفصول والمقدّمة ببيتٍ للمتنبي، والحقيقة أن عملية تقسيم القصيدة إلى مقدّمة، وفصول مرّتبة بشكلٍ متنامٍ، أمرٌ لايسيء إلى النص، ولايمزّقُ كليتَهُ وبناءه، بقدر مايعكس رغبة خضّور المعروفة في إخراج الهيكل المعماري للقصيدة الحديثة من دائرة النمطية والتقليد! بالإضافة إلى انسجام هذا التقسيم مع عنوان النص! فالنص"كتابٌ"والكتب عادةً تتألف من مقدمات وفصول مختلفة، ولكلِ فصلٍ أن يعالج فكرةً ما، موضوعًا جديدًا يختلفُ عن سابقهِ أو يعمقّه وينميّه ..
الملاحظة الأولى التي يجدرُ ذكرها، أن المتنبي غير موجود إطلاقًا إلا في العنوان، ولو حذفتَ اسمهُ من عنوان القصيدة لوجدتَ نفسك أمام نصٍ لاعلاقة لهُ