من قريبٍ أو بعيد إلا بفايز خضور والوطن العربي سنة 1973. ولهذا فالعنوان يؤُثّرُ هنا تأثيرًا دلاليًّا رئيسًا في النص، بالإضافة لأبيات المتنبي المختارة بأناةٍ وذكاء، والتي لاتشكلُّ عكازًا للنص، بقدرِ ماتدخل في علاقة تأُثير متبادل معهُ، ويستطيع القارئ أن يدرك مالهذه الأبيات من أهميّة، حين ينتبه أن أربعة فصول من ستة استهلها الشاعرُ ببيت من قصيدة المتنبي الأشهر"على قدْرِ أهل العزمِ تأتي العزائمُ"، وهي القصيدة التي قالها يمدَحُ سيف الدولة بعدَ انتصارهِ على الروم سنة (343 هـ-954 م) ، وبنائهِ ثغر الحدث.
أما البيت الأول الذي يفتتح به المقدمة وهو:
للهِ قلبُكَ ماتخافُ من الردى ... وتخافُ أن يدنو إليكَ العارُ
فهو من قصيدته التي قالها يمدحُ سيف الدولة أيضًا، وقد سألهُ السير معهُ لمّا سارَ لنصرةِ أخيهِ ناصر الدولة ومطلعها:
سِرْ! حلَّ حيث تحلّه النّوارُ ... وأرادَ فيكَ مُرادُكَ المقدارُ
وبالتالي فإن ربط هذه الأبيات وهي مكتوبة في مدحِ انتصارات عربيّة نادرة في زمنٍ كانت فيهِ الإمارات العربيّة المتَبقيّة من الدولة العباسيّة تخوض حروبها الخاصة فيما بينها! ويحاول كل أميرٍ أو سلطان أن يجدَ لهُ مترًا مُربعًا يبني عرشهُ عليه، إن ربط هذهِ الأبياتِ بنصٍ حديث يكتبُ في زمنٍ شديد الشبه بالزمن المذكور! زمن تحاول فيهِ دولتان عربيتان أن تحققا نصرًا عربيًا على عدوٍ في منتهى الشراسة، وتفلحان إلى حدٍ بعيد، هي مسألة تنطوي على كثير من الأهميّة.
إن المتنبي في هذهِ القصيدة ليسَ قناعًا فنيًا، خضّور يحاولُ أن يستدعي هذهِ الروح العظيمة التي شهدت نصرَ سيف الدولة على الروم، وبناءَه لثغر الحدث على جماجم الأعداء في زمنٍ هو زمن التردّي العربي، لتأتي الآن وتحوّم فوق جبهات القتال! فوق جبل الشيخ والحمّة و طبريّا وسيناء، وقناة السويس، وتشهد حدثًا عظيمًا في مرحلة سوداء من مراحلِ حياة العرب ....
إن المقدّمة ومعظم الفصول تأتي على لسان متحدثٍ ما، أغلب الظن أنه فايز خضّور نفسه رغم تعدّدِ وتغيّر ضمير المتكلم، أما المتنبي فهو الشخص الذي وَضَع قاسيون كتابهُ بين يديه وقال له: اقرأ بنفسك.
فراح يقلّبُ صفحاته، ويقرأها فتثيرُ في ذهنهِ ذكريات قديمة تأتي على شكل أبيات قليلة تصفُ شيئًا مشابهًا للحدث المعاصر.