ثانيًا- أشكال حضور المتنبي
في الشعر العربي المعاصر (11)
لعلَّ من الصعوبةِ بمكان، أن نرصدَ كل القصائد التي تعاملت مع شخصيّة المتنبيّ، أو أن نذكَرَ كل الشعراء الذينَ استلهموها أو أفادوا منها، أو اقتبسوا عنها، ولكنني سأسعى إلى تحديد أنماط استخدام هذه الشخصيّة الهامة، دارسًا مثالًا على الأقل، على كل نمط، ومذكّرًا -منذُ البداية- أن هذهِ الأنماط، إنّما وضعت انطلاقًا من تجارب الشعراء أنفسهم، ومن طرائق تعاملهم مع الشخصيّة التراثية، وسنحسُّ لاحقًا أن الحدود والفواصل بين هذهِ الأنماط ليست نهائية وثابتة، وقد نشعر أن بعض القصائد قادرة على تخطي نمطها لتجمَعَ إليه غيره.
ولقد كانَ للناقد علي عُشري زايد في كتابه"استدعاء الشخصيات التُراثية في الشعر العربي المعاصر"الفضل في تحديد أربعة أنماط (12) هي:
-استخدام الشخصيّة عُنصرًا في صورةٍ جُزئيّة.
-استخدام الشخصيّة مُعادلًا تُراثيًا لبعد من أبعاد التجربة.
-استخدام الشخصيّة محورًا لقصيدة.
-استخدام الشخصيّة عنوانًا على مرحلة.
بينما يختزل عبد السلام المسّاوي هذهِ الأنماط في نمطين جامعين هما: الاستدعاء العَرَضي للشخصيّة، والاستغراق الكلي فيها.
في دراستي هذه سأتكئُ على أنماط علي عُشري زايد مُضيفًا إليها نمطين لم يحددهما الناقد هما:
-الاستهلال بنص للشخصيّة التُراثية.
-استخدام الشخصيّة محورًا لكتاب.
والحقيقة إن محاولة وضع هذه الأنماط ليست غاية لذاتها، بقدر ماهي وسيلة لمنهجَة رصد تلك الأشكال التي كان لشخصيّة المتنبي أن تتجلى فيها في شعرنا المعاصر، ولتسهيل عملية دراسة النماذج الموجودة لدينا، وسيكون لدارسٍ آخر أن يرصد أشكالًا أخرى لاستدعاءِ بعضِ الشخوص من تُراثنا، انطلاقًا من قصائد جديدة تفرزُ أنماطها الخاصة.