الصفحة 47 من 99

قدري تابوت غربةْ" (105) "

والأمثلة ليست قليلة على هذا النمط؛ لكنني اخترتُ قصيدتين سأتناولهما بشيءٍ من التفصيل، هما:"رحلة المتنبي إلى مصر"لمحمود درويش، و"موت المتنبي"لعبد الوهاب البياتي.

إن قصيدة"رحلة المتنبي إلى مصر"، هي إحدى قصائد مجموعة درويش"حصار لمدائح البحر"، وقد كُتبت هذهِ المجموعة -أو معظمُها- بعد تجربةٍ مريرةٍ في حياة الشاعر وشعبه؛ إنها تجربة حصار بيروت، وخروج المقاومة إلى"التيه"، كما يُعبّر درويش نفسه، وقد طبعت للمرّة الأولى في تونس 1984، ولو استعرضنا قصائد هذهِ المجموعة، من مرثياتهِ في ماجد أبو شرار، وعز الدين قلق وغيرهما، وقصيدة بيروت، مرورًا بقصيدتنا موضوع البحث، فسنجدُ أن روحًا حزينة مُنكسرة تخيّم على هذه المجموعة، وتؤسس لروح التعب (106) عند الشاعر التي ستبدو جليّةً في مجموعاتهِ اللاحقة، وحين نقرأُ القصيدة التي بين أيدينا، وفي ذهننا -شئنا أم أبينا- تاريخٌ غير قصير من الهجرات والنكبات والنضال، فسنصلُ إلى قناعة مفادها، إن استحضار شخصيّة المتنبي -التي تكادُ تكون الأكثر ملاءمةً ودلالةً- هو عملية إيجاد معادل تراثي لبعدٍ من أبعاد التجربة الدرويشية -الفلسطينيّة في الخروج من المكان (الجغرافيا) والزمان (التاريخ) .

محمود درويش يتألّقُ في استخدام المتنبي قناعًا، وأحد أسباب ذلك هو هذا القلق الذي يعيشهُ الشاعر، وهذا الرحيل المرير الذي أكرهَ عليه الفلسطيني بقوّة السلاح ولأكثر من مرّة، فخرج إلى البحر.

لقد تركَ المتنبي حلب مُرغمًا، رغم عشقِهِ لها ولأميرها، ودرويش يُرغم على الاقتداء بخطوات جدّه، رغم حبّه لبيروت، لكن متنبي القصيدة يخضع لكثيرٍ من الانزياح والتحول؛ لقد أخذ درويش هذه الخامه، مُدركًا خصوصيتها، وإمكاناتِها الطبيعيّة، ولكنهُ اشتغلَ عليها كنحاتٍ ماهر، لقد استطاع استدعاءَها أولًا"من قلب المتلقّي ووجدانه كي تتحوّل بفضل موهبتهِ وثقافتهِ وخبرة تمرّسهِ الفني إلى جسرٍ للتواصل والتحاور والارتقاء. جسرٌ ينتقل القارئُ بهِ- دونَ قلقٍ أو توّجس- من قيمتهِ التقليدية الراسخة إلى قيم الشاعر النابضة بروح العصر" (107) .

تبدأُ قصيدة محمود درويش بعبارته:

"للنيل عاداتٌ"

وإنيّ راحلُ""

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت