الصفحة 48 من 99

وسيكرّر هذه اللازمة ست مَرّات ليختتمَ بها قصيدته في نهاية المطاف. وهذه اللآزمة ستلعبُ دورًا هامًا في بناء القصيدة بشكلٍ عام، فهي بتظافرها مع مايشبه المنولوج الموّشح بشيءٍ من الحوار ستكون مُتكأ الشاعر حين ينتهي من فضاء معنوي ويبدأ بآخر، بالإضافة لدورها الإيقاعي.

وستمدُّ هذهِ اللازمة"القصيدة بالنفس الملحمي! فهي تفصلُ بين الأجزاء وتصل بينها في الوقت نفسه، بمعنى أنها تفصل لإفادة انتهاء مسروديّة ذات معنى جزئي وتصل بين المسروديّات كلها صوتيًّا لإكساب النص بناءه المعماري العام"108

والقصيدةُ ذات نفسٍ واحد رغم ذلك؛ فالشاعرُ لايفصِلُ بين مقاطعها بأيّة فواصل سوى مساحة بيضاء صغيرة، بين اللازمة المذكورة والمقطع الذي يليها توحي بتوقّف الذاكرة قليلًا بغية الراحة قبل أن تُتابع حوارها مع النفس أو مشاهداتِها ومعاناة صاحبها.

أودُّ أن أشير أن هذهِ العبارة التي يبدأ درويش بها القصيدة على لسان المتنبي:

"للنيل عاداتُ/ وإنيَّ راحلُ"هي حصيلة رحلته كلّها؛ إنّها النتيجة النهائيّه، ومنها يبدأ بطريقةٍ نعرفها في فن القصّة بالارتجاع الفنّي؛ فيحدّثنا بادئ ذي بدء من أين جاء، وكيف ولماذا؟:

"أمشي سريعًا في بلادٍ تسرق الأسماءَ منّي"

قدْ جئتُ من حلبٍ وإني لاأعودُ إلى العراقِ

سقط الشمالُ فلا أُلاقي

غير هذا الدرب يسحبني إلى نفسي .. ومصرَ" (109) "

إنه قادمٌ من حلب بعدَ أن سقط الشمال، ولم يبقَ لهُ إلا هذا الطريق حفاظًا لكرامتِهِ وماء وجههِ، وحين نتذكّر أن الشمال تاريخيًا وفي فترة المتنبي كان محميًّا بإمارة الحمدانيين، وهو لم يسقط، فسندرك أن انزياح الشخصيّة التراثية قد بدأ منذ بداية القصيدة، وأن درويش راح منذُ هذهِ اللحظة يفصِّلها من جديد على مقاسِهِ بحيث يلبسها براحةٍ ونجاح، مع المحافظة على الكثير من ميزاتها وخصوصيتها:

"كم اندفعتُ إلى الصهيل"

فلم أجد فرسًا وفُرسانًا

وأسلمني الرحيلُ إلى الرحيل

ولا أرى بلدًا هُناك

ولا أرى أحدًا هناك

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت