الصفحة 49 من 99

الأرضُ أصغرُ من مرور الرمح في خصرٍ نحيلْ

والأرض أكبرُ من خيام الأنبياءْ

ولا أرى بلدًا ورائي

لا أرى أحدًا أمامي" (110) "

هذا هو المتنبي الخارج من حلب باتجاه مصر؛ فأين هو درويش الخارج من بيروت؟

اسمحوا لي أن استعير عباراتِهِ في وصف ذلك:

"رأيتُ السفينة ذاتها، التي حملت أوليس، أحد أحفادهِ الجدد في القرن العشرين، وعادت من الشاطئ الشرقي للمتوسط إلى أصلها في كريت؛ هزّتني الدلالةُ الجارحة لهذا التيه؛ الذي لم يجدْ لهُ شاطئًا عربيًّا، فعادَ إلى المرفأ الأول .. الرحلةُ مليئةٌ بالجراح والشعر أيضًا، ولاأعرفُ متى يرسو هذا التائه الفلسطيني؟ .. الخ" (111)

ألسنا أمامَ صوتٍ واحد وحالة واحدة؟!

إنّه الإكراه! إكراه الشاعر على التخلّي عن المكان،"وكأن التخلي عن المكان أصبحَ الظاهرة الأكثر وضوحًا في هذا الزمان العربي، الزمان الذي سقطت فيه كل الأقنعة، زمان غياب العرب وسقوط قلاعهم" (112)

وهكذا لايجدُ شاعرٌ كـ (المتنبي/ درويش) مكانًا يلتجئُ إليه، مكانًا يحمي أحلامهُ وعواطفه إلا الأغنية/ القصيدة التي تحلُّ محل الوطن:

"وطني قصيدتي الجديدةْ"

أمشي إلى نفسي، فتطردني من الفسطاط

كم ألج المرايا

كم أكسِّرُها

فتكسرني" (113) "

إنه البحث المؤلم عن المكان المفقود الوطن الذي يؤمّن لكَ الحماية ولايطردك ولايُلقيك إلى الأعداء؛ لكن أين تجده ومن حولك توزّع الدولُ كالهدايا، وتأكلُ السبايا بعضها، ويصبحُ الانعطافُ والانحرافُ سُنّةً ألن تَشْعر عندها أن وطنك هو صدرك ... وصدرك قبرك؟، ألن تجري حينَ تجد من حولك هذا الركود المخيف؟!

"أرى فيما أرى دولًا توزّعُ كالهدايا"

وأرى السبايا في حروبِ السبي تفترسُ السبايا

وأرى انعطاف الانعطاف

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت