أرى الضفاف
ولاأرى نهرًا .. فأجري
وطني قصيدتي الجديدةْ
كيف أدري
أن صدري ليس قبري" (114) "
ويزدادُ حجم الفجيعه حين يُدركُ (المتنبي/ درويش) أنه جاء إلى المكان الخطأ، أو أنه غير مرغوب به هنا، ومامن شيءٍ يشدّهُ إلى هذا المكان:
"لاالحبُّ ناداني"
ولاالصفصاف أغراني بهذا النيلِ كي أغفو
ولاجسدٌ من الأبنوسِ
مَزّقني شظايا" (115) "
إنها مصر أخرى غير التي يعرِفُها ويُحبُّها؛ إنّها مصرُ كافور، مصر التي أُخرجتْ من حربِهِ:
"والنهرُ لايمشي إليَّ فلا أراه"
والحقلُ لاينضو الفراش على يديَّ فلا أراه
لامصرَ في مصر التي أمشي إلى أسرارها
فأرى الفراغ، وكلّما صافحتُها
شقّتْ يدينا بابلُ
في مصر كافور وفيَّ زلازلُ" (116) "
وتأتي مساحة بيضاء صغيرة تلتقطُ الذاكرةُ أنفاسها فيها، ليعودَ بعدَ قليل صوتُ الشاعر:
"حجرٌ أنا"
يامصرُ هل يصلُ اعتذاري
عندما تتكدّسين على الزمان الصعب أصعبَ منهُ؟
خطوي فكرتي ودمي غُباري" (117) "
إنه مقطعٌ محيرٌ بلا شك! كيف يعتذر هذا الشاعر إلى مصر التي جاءَها لاجئًا ومستنجدًا، فكسرت حُلمه، وخيّبت أمله (ومصر هنا ليست بلاد النيل فقط) . أليسَ الأولى أن تعتذرَ مصرُ إلى الشاعر؟!
أظن أن درويش قلبَ الصورة بهدفِ المبالغة في الأمر.
وهل أمرُّ من أن تعتذرَ لصديقٍ أساءَ إليك وتتركه وتمضي؟ أليسَ هذا أمضى وأشدُ وقعًا في النفس من أن تكيل لهُ الشتائم!
أم أن الشاعر يعتذرُ إلى مصر لأنه أصبحَ"حجرًا"بفعل مامَرّ عليهِ وعاناهُ،