فما من شيءٍ يفعل فعله فيه، ولاشيءَ يعنيه، وهو بالتالي غير قادر على مساعدتها في هذا الزمان، فأفكارهُ الآن هي خطواته، ودماؤه هي ماتثيرهُ فرسُهُ من عجاجٍ وغبار. أنا أرجّحُ الاحتمال الأول لأن الشاعر يتساءل بعدَ قليلٍ بصيغةِ الاستنكار:
"هل تتركينَ النهرَ مفتوحًا لمن يأتي"
ويهبطُ من مراكبه إلى فخذينِ من عاجٍ وعرشٍ" (118) "
ويحاول أن يترك في قلبه شيئًا من التفاؤل؛ إن الأعداءَ لن ينزلوا مصرَ، ولن يصعدوا الأهرام، وهو علي يقين من أنه شاعرًا وشعبًا سيكونُ دريئةً لهذهِ البلاد، وسيفنى في الغزوات المتتالية، فما الذي يجعل مصر تُعرضُ عن دموعِهِ وتنظُرُ إلى عدوّه؟
وماالذي يجعلُهُ يلتصقُ بالجميل المتبقّي منها، وكأنه هوالخالد:
"أعرفُ أنني أمتصُ فيكِ الغزو"
أعرفُ أنني سأمرُّ في لمح الوطن
وأذوبُ في الغزواتِ والغزواتِ
لكن كلما حاولتُ أن أبكي بعينيكِ
التفتِ إلى عَدوّي
فالتصقتُ بما تبقّى منكِ أو منّي.
وأدركني الزمنْ" (119) "
إن الالتفات إلى العدو طارئ، والشاعرُ يُدركُ ذلك، وهو يعلمُ أيضًا أن هذا الفقر، والوضع الاجتماعي السيء هو"الزائل"، وهنا نلاحظ الانزياح الكبير في الشخصيّة التُراثية، فالمتنبي بدأ يتحدّث عن أشياءَ وأفكار ماعرفناها عنه قط:
"تمضينَ حافيةً لجمعِ القطنِ في هذا الصعيدْ"
وتسكتينَ لكي يضيعَ الفرقُ بين الطينِ والفلاحٍ
في الريف البعيد
وتجفُ في دمكِ البلابلُ والذُرهْ
ويطولُ فيكِ الزائل" (120) "
ومصرُ رغم ذلك محبوبةُ الشاعر، وهي وإن كانت تِفرُّ من أضلاعهِ حين يعانقها فهي تسكنُهُ، وستطاردُهُ حينَ يخرج منها، حتى تجعَلَ بلاد الشام منفى للشاعر- وهذا انزياحٌ آخر للشخصيّة التُراثية- فأية حال مُريعةٍ هذه، وأيّ عشق غريب:
"بلادٌ كلّما عانقتُها فَرّتْ من الأضلاع"
لكن كلّما حاولتُ أن أنجو من النسيانِ فيها