وقد نجدُ في القصيدةِ صوت البردوني نفسه يكررُ ما عرفناهُ من شعر المتنبي؛ مثلًا نسمَعُ الصوت يقول:
هل يجاري وفي حناياهُ نفسٌ ... أنفت أن تحلَّ طينًا مُحمّى (55)
وهو مأخوذ من قول المتنبي:
وإني لمن قومٍ كأن نفوسَهم ... بها أنفٌ أن تسكنَ اللحمَ والعظما (56)
ورغمَ شاعريّة البردوني وتمكّنهِ من أدواتهِ يقعُ في النظم أحيانًا، كأن يقول:
أين حتمية الزمانِ؟ لماذا ... لا يُرى للتحولِ اليوم حتما (57)
أو نراه يكرر الفكرة فيصبح التعبير زائدًا مجانيًا:
إنه أخطر الصعاليك طُرًا ... إنه يعشق الخطورات جَمّا (58)
فلا بُدّ لأخطر الصعاليك من أن يعشق الخطورات، وإلا لما كان خطيرًا، ولما كان صعلوكًا في الأساس.
إن شخصيّة المتنبي -على أهميّتها- لا تُشكّلُ برأيي في ذاتِها التاريخيّة المحضة شيئًا، وهي يجب ألا تعني المبدع إلا بقدرِ ما تُلبّي حاجة مُعاصرة ذاتية أو مَوضوعيّة؛ وبالتالي فإن موقف الأخطل وأبي ريشة والقروي والبردوني وتعاملهم مع المتنبي بالصور التي رأيناها كان أقرب إلى مايسميه د. نعيم اليافي"الهرب بالتُراث" (59) ؛ منهُ إلى استدعاء أو استلهام التُراث.
يقولُ سليمان العيسى في مقالتهِ التي عنوانها"تجربتي الشعريّة" (60) : أعترف أنني كنتُ مشدودًا إلى التُراث في الفترة الأولى من إنتاجي، وكانت ظلالُ القرآن والمعلّقات وديوان المتنبي تحيطُ بي، وتشدُّ على يدي في كل قصيدة كتبتُها، ولكنني مالبثتُ أن انفتحتُ على عوالم جديدة. ومع هذا فقد بقيت تجربتي الشعريّة، تجربة عربيّة، تضربُ جذورها في أعماق الصحراء"."
لقد قدّمت بهذهِ الكلمات على لسان الشاعرِ، لأُشير إلى أن قصيدته"إلى أبي الطيب"هي بشكل من الأشكال إحدى ظلال انشداده إلى التُراث العربي.
لقد قرأ سليمان العيسى أبا الطيب وأُعجب بهِ أيّما إعجاب، فأدهشه ذلك الطموح الهادر، والهمّة العالية التي لاحدود لها، فجاءَ ذلك على لسانِهِ في القصيدة: