الصفحة 28 من 99

إن الشاعِر يرى أن ذوي السلطان استطاعوا صرفَ الشاعِر عن رؤيةِ مظالمهم بإغداق النعمةِ عليه، حتى يجعلوا موهبته مُلكًا لمشيئتهم؛ وهذا موتٌ لهُ، والبردوني بذلك يلتقطُ أهم ميزات ذهنية السلطة العربيّة، التي تعملُ في البدايةِ على شراء المبدع، فإن لم تستطع قمعتهُ، أو طمستْ آثارَهُ، بطريقةٍ أو بأخرى.

وقد حاولَ البردوني أن يتميّز على صعيد الشكل، من خلال هذهِ الحواريّة بين صوتين: أحدهما صوتُهُ هو، والآخر صوت المتنبي، وقد وضعَهُ بين قوسين كبيرتين، وقد تمكّنت هذهِ الحواريّة من بعث الحيويّة والحركة في النص.

لكن صوت المتنبي -للأسف- كان صوتًا مُكرّرًا، صوتًا قرأناهُ في أشعاره وربّما دونَ زيادةٍ أو نقصان.

إن فضل البردوني يتمثلُ في إعادةِ نظم مجموعة من أبياتِ أبي الطيب، على طريقتهِ الخاصة، وهذا يجعل القارئ شاءَ أم أبى يستذكر تلكَ الأبيات، ويعقد مقارنة والمقارنة ليست في صالح البردوني.

مثلًا يقول البردوني على لسان المتنبي:

ساءلتْ كل بلدةٍ: أنتَ ماذا؟ ... ما الذي تبتغي؟ أجلّ وأسمى

غير كفي للكأس غير فؤادي ... لعبةٌ في بنان"لميا"و"ألمى" (50)

إن هذين البيتين مأخوذان من قول المتنبي:

يقولونَ لي ما أنتَ في كلِ بلدةٍ ... وما تبتغي، ما أبتغي جل أن يُسمى (51)

-وهو أحد أبياتِه في رثاء جَدّتهِ- ومن قوله:

وغير فؤادي للغواني رميّةٌ ... وغير بناني للزجاجِ ركابُ (52)

وفي مقطع آخر يقول البردوني:

من تُداجي يا ابن الحسين؟ (أُداجي ... أوجهًا تَستحقُ ركلًا ولطما

كم إلى كم أقولُ ما لستُ أعني ... وإلى كم أبني على الوهمِ وهما (53)

وهنا يعيدُ الشاعِر نظم أبيات المتنبي التي يقولُ فيها:

ولا أعاشِرُ من أملاكهم مِلكًا ... إلا أحقُ بضربِ الرأسِ من وثن

للهِ حالٌ أُرجّيها وتخلفني ... وأقتضي كونَها دهري ويمطِلُني

مدحتُ قومًا وإن عشنا نظمتُ لهم ... قصائدًا من إناثِ الخيلِ والحُصُنِ (54)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت