الصفحة 14 من 99

إن استهلالَ نصٍ أدبي ما، بنصٍ آخر هو أمرٌ كثير الشيوع في الأدب المعاصرِ عامةً؛ وفي الشعرِ على وجهِ الخصوص، وهو وإن كان شديد الشبه بالتناص الثقافي؛ من حيث هو تعالق بين النص الذي يبدعُهُ الأديب ومجموعة النصوص الأخرى الهامة والشائعة، حين يستدعي السياق الدلالي ذلك، فتلتحمُ بالنص وربّما ذابت فيهِ، إلا أن النص الذي يستهلُّ بهِ الشاعرُ قصيدتُهُ -على سبيل المثال- يبقى خارجيًّا لا يندغمُ بالمتن الشعري ولا يذوب فيه.

الاستهلالُ تقنية على غايةٍ كبيرةٍ من الأهميّة، إنه في كثيرٍ من الأحوال يضَعُ بين يدي المتلقي مفتاحًا ما للنص، أو يضيءُ جانبًا كانَ من شأنِهِ أن يكونَ مُظلمًا، وربّما يُساهِمُ في رفد النص الجديد بأبعاد نفسيّة وجماليّة واجتماعيّة، ما كان لهُ وحيدًا أن يمتلكها، وقد يكون بذرة الإبداع الأولى التي أنتَشتْ ونمت فقدّمت للشاعر الجديد قصيدته الجديدة وما إلى ذلك. لكن هذهِ التقنية الهامة قد تُصبح أحيانًا في غير صالح القصيدة؛ وذلك حين يكون النص المقبوس طويلًا جدًا فيصبحُ عالةً على القصيدة، وتنوء بحملِهِ، وقد نرى أحدهم يستهلُّ قصيرةً أو متوسطة بمجموعةِ نصوص لشعراءَ أو متصوّفينَ أو مفكرينَ من عصرٍ ما وكأنَهُ يُريد لقصيدتِهِ تلك أن تقولَ كل مافي الدُنيا من أفكارَ وهواجسَ ومضامين؛ قَدْ يأتي الاستهلالُ تزينيًّا وزائدًا أحيانًا، وهذهِ مسائلُ يستطيعُ الشاعِرُ بحسّهِ وذائقتِهِ وخبرتِهِ ألا يقعَ فيها، أو أن يتجاوزها قبلَ أن يظهَرَ عملُهُ للناس.

يستهلُّ محمود درويش ديوانه"هي أغنية ... هي أغنية"الصادر سنة 1986 بشطرٍ من شعر المتنبي -"على قلقٍ كأنَ الريحَ تحتي"، وحين نعلمُ أن قصائد هذهِ المجموعة كُتبت بين عامي (1984 - 1985) ، وسيطَرَ عليها نَفَسٌ شعريٌّ مخذولٌ وحزين، إثر الاجتياح الإسرائيلي للبنان، وحصار عاصمتها، وما تلا ذلك من هزيمة للمقاومة الفلسطينية، وتخلٍّ عربي عنها، وخروجها إلى البحر، فسندرك أن المسألة ليست فقط مسألة إعجاب درويش بشطرٍ من بيتٍ للمتنبي، يمثّلُ حال الثاني وهواجسهُ في مرحلة معيّنة من مراحِلِ حياتِهِ الشاقة، لا. الأمرُ أعقد من ذلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت