الصفحة 23 من 99

وقد قُدّرَ لبعض الشعراء الذين استخدموا المتنبي محورًا لقصائدهم، أن ينجحوا -وبشكلٍ متفاوتٍ- بإخراج هذهِ الشخصيّة من زمنها، محاولين رصد دلالاتها المعاصرة وسماتها الإنسانيّة الشاملة.

سأتناول كأمثلة على هذا النمط مجموعة من القصائد الهامة.

آ-الأخطل الصغير والمتنبي:

يبدأُ بشارة الخوري قصيدته"المتنبي والشهباء"، بوصف مدينة حلب، متناولًا دورها في الماضي، وبطولة أهلها وأمرائها من آل حمدان في حمايةِ شمال البلاد، ممهدًا الطريق للوصول إلى المتنبي؛ فإذا وصلَ راح يبني أسطورةً طريفةً حولَ ولادتِهِ من أبٍ هو عظيم الجن، وأم ماردة، ستحملُهُ وتجيءُ به إلى عرسِ الجن في الصحراء، فيحارُ الجميعُ في تسميتهِ:

نادى أبوهُ -عظيم الجن- عِتْرَتَهُ ... فأقبلوا ينظرونَ البدعةَ العجَبَا

ماذا نسمّيه؟ قالَ البعضُ: صاعقةً ... فقالَ: كلاّ .. فقالوا: عاصِفًا- فأبى (32)

وحين يشتدُّ النقاش بين جماعة الجن، يقومُ ماردٌ مفوّه، فيعلن أنهم سيجعلون من هذا الطفل أعجوبةً ... فتنةً تشغل الناس بالشعر:

سنبعثُ الفتنةَ الكبرى على يدهِ ... فنشعلُ الناسَ والأقلام والكُتبا

ونجعلُ الشِعرَ ربًّا يسجدونَ لهُ ... فإن غَووا فلقد نِلنا بهِ الأربا (33)

ثُمَ يجدُ هذا المارد اسمًا مناسبًا للطفل:

واختالَ غيرَ قليلٍ، ثُمَّ قال لهم ... سمّيتُهُ: المتنبي .. فانتشوا طربا

وزلزلوا البيد حتّى كادَ سالكها ... يهوي بهِ الرحلُ لا يدري لهُ سببا (34)

وبعدَ ذلك -وفي المقطع التالي- تبدأُ مأساةُ المتنبي الشاعر، الذي يُريدُ أن يحصلَ بالشعرِ على ماهوَ دون الشعرِ مرتبةً ولكنَ الله لا يحققُ له الطلب؛ فالسلطةُ واعتلاء العرش، أمرٌ يقتلُ الإبداع.

إن الطموح الذي يفتحُ آفاقًا لا وصول إليها، هو الذي يخلق الإبداع في النفس المبدعة- ولعل هذهِ هي الفكرة الأهم في القصيدة:

طلبتَ بالشعرِ دونَ الشِعر مرتبةً ... فشاء ربّكَ أن لا تدركَ الطلبا

إذن لأثكلتَ أمَّ الشعرِ واحدها ... وعطِّلَ الوكرُ، لا شدوًا ولا زَغَبا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت