الصفحة 9 من 99

والثقة والتعالي في وجه الآخرين- وضدّهم، وهو في ثنايا شعره كلّهُ يحتضنُ ذاتَهُ ويناجيها ويحاورها بنبرةٍ من العبادة. إن شعرَهُ كتابٌ في عظمةِ الشخص الإنسانيّة؛ يسيّرُهُ الجدلُ بين اللاّنهايةِ والمحدوديّة: الطموحُ الذي لا يعرفُ غايةً ينتهي عندها ... لقد خلَقَ المتنبي طبيعةً كاملةً من الكلماتِ، وفي مستوى طموحِهِ: ترجُّ، تتقدّمُ، تجرفُ، تهجُمُ، تقهرُ، تتخطّى ..." (3) ."

أمّا البيّاتي فقد قال في معرضِ حديثِهِ عن استحضار الشخصياتِ التُراثية:"إن شخصيّة الحلاّج والمعّري والخيّام وديك الجن وطرفة بن العبد وأبي فراس الحمداني والمتنبي والاسكندر المقدوني وخيفارا ... وغيرها، التي اخترتُها، حاولتُ أن أقدّمَ البطل النموذجي في عصرنا هذا، وفي كل العصور (في موقفِهِ النهائي) ، وأن أعبّرَ عن النهائي واللاّنهائي، وعن المحنةِ الاجتماعيّة والكونيّة التي واجهها هؤلاء، وعن التجاوز والتخطّي لما هو كائن، إلى ما سيكون، ولذلك اكتسبتْ هذهِ القصائد هذا البعدَ الجديد، الذي يجعلها تولدُ من جديد، كلّما تقادمَ بها العهد" (4) .

ويلخّصُ أمل دنقل موقفهُ ليسَ فقط من استدعاء الشخصيات التراثية بما فيها المتنبي، بل من استلهام التراث بشكلٍ عامٍ فيقول:"إن استلهام التراث في رأيي ليسَ فقط ضرورة فنيّة، ولكنهُ تربيّة للوجدان القومي؛ فإنني عندما أستخدم أو ألقي الضوء على التُراث العربي والإسلامي الذي يشمل منطقة الشرق الأوسط بكاملها [1] ، فإنني أُنمّي في المُتلقّي روح الانتماء القومي، وروح الإحساس بأنه ينتمي إلى حضارة عريقة، لا تقلُّ إن لم تزدْ عن الحضارات اليونانيّة والرومانيّة" (5) .

شخصيّة المتنبي واحدة من مئات الشخصيات في تُراثنا العربي، وهي كلها مطروحة أمام الشعراء لاستحضارها والتحدّث من خلالها؛ فما الذي يُغريهم بهذهِ الشخصيّة أو تلك؟ إن ما يغريهم -من وجةِ نظري- هو مقدار ماتحملُهُ هذهِ الشخصيّة من سمات القدرةِ على التجدّدِ والحداثة، وتلك القيم الحضاريّة التي يمكن أن تشي بها، بالإضافةِ لقدرتها على التقاطع مع زمن آخر غير زمانها؛ وهنا يأتي دور الشاعر وقدرته على الاختيار؛ وموهبته في مُلامسةِ السمات المميّزة والدالة في الشخصيّة التُراثية؛ وهذا لا يعني أن تكون الشخصيّة -في الأساس- إيجابيّة فما الذي يمنع شاعِرًا مُبدعًا من أخذِ شخصيّة عرقوب مثلًا أو أبي رغال أو قابيل أو غيرها؛ ألم يستحضر أمل دنقل شخصية كُليب وجعَلَ منهُ رمزًا للمجد العربي القتيل أو للأرضِ المسلوبة (6) - على حد تعبيره- رغم أننا قد نختلف معه

(1) التاريخ العربي والإسلامي لا يشمل فقط الشرق الأوسط. ومن الغريب أن نسمع شاعرًا كأمل دنقل يقول ذلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت