بشأنها، حتى شخصيّة الزير؛ هل كانت في سياقها التاريخي التُراثي مُلائمة لدورها في قصيدة الشاعِر؟
الحقيقة لا!، لكن موهبة أمل دنقل ألبست هاتين الشخصيتين لبوسًا مقنعًا وجميلًا، وخرجت بهما عن الحكايةِ التُراثيةِ نسبيًّا وبنت لهما ولبقيّة الشخوص عالمًا فنيًّا موازيًا لعالم الحكاية.
إن بعض الشعراء الذين استحضروا شخصيّة المُتنبي -بغضّ النظر عن مدى النجاح الذي أصابوه، أو التقنية التي استخدموها- أرادوا أن يتحدّثوا بصوتِهِ ولسانِهِ، فساعَدَهم ذلك على تقديم تجاربهم المختلفة في الطموح والانكسار والغربة والنفي وغيرها، من خلالِ هذهِ الشخصيّة النادرة والمتعدّدة الجوانب.
ولو سمحتُ لنفسي أن أتقصّى أسبابَ استدعاء شخصيّة المتنبي أو استلهامِها في قصائدنا المعاصرة؛ انطلاقًا من النماذج التي بين يديّ لوجدتُ صعوبةً كبيرةً في ذلك؛ والسبب هو أنكَ -بشكلٍ عام- تكادُ تجدُ أن لكلِ شاعِرٍ أسبابَهُ ودوافِعَهُ الذاتية والموضوعيّة؛ وعليهِ فسأُحاولُ أدناه، أن أرصَدَ أهم الأسباب الموضوعيّة تاركًا للقارئ أن يلتقطَ تلكَ الأسباب الذاتية حين ننتقلُ لرصدِ أشكالِ حضورِ المتنبي في نماذج كثيرة من الشعر العربي المعاصر:
1 -لعلَّ من أهم تلك الأسباب هو النزعة العربيّة التي كان يحملها المتنبي وتجلّت في معظم أشعاره، فقد كانَ كما يُعبّر حسين مروّة:"أعظم شاعِر عربي غنّى معاركَ النضال العربي، في زمن كانَ هذا النضال يحملُ أثقالَهُ فارسُ بني حمدان وحده من أمراء العرب" (7) .
2 -لقد كانت الحقّبة التي قُدّرَ لأبي الطيب أن يظهَرَ فيها (وهي القرن الرابع الهجري) حقبة عصيبة من تاريخ العرب، كانت البلادُ خلالها عُرضةً لهجمات الروم الطامعين، وكانت الانقسامات في الداخل شديدة، والاحترابُ على قدمٍ وساقٍ بين الأمراء، بالإضافة للانتفاضاتِ و الثورات المختلفة.
3 -عادَ المتنبي من الباديةِ إلى الكوفة يحملُ فكرةَ الثورة، سواء لاتصالِهِ وتأثّرهِ بالقرامطة، أو لغير ذلك.
لقد عادَ وقد امتلأت نفسُهُ بأمرٍ كبيرٍ يدعوهُ أن"يرى الموتَ في الهيجا جنى النحلِ في الفمِ"،"كانَ في ذلكَ الحين على شعورٍ بأنه يحملُ قضية هي أكبر من قضيتِهِ الخاصة، وأن هذهِ القضية ذات صلة بنظام الحكم، أو بالأشخاص الذين يُديرونَ أمر الدولة في وطنِهِ وقومِهِ" (8) .
4 -تميّز المتنبي بإحساسِهِ العميق بتلكَ الصلة الغامضة بين قضيّتِهِ الخاصة، وهي قضية فقرهِ وحرمانه، و قضية مجتمعِهِ من جهةٍ أُخرى بما يعنيهِ ذلك من الأوضاع السياسيّة والاجتماعيّة العامة التي يفرضُها نظام دخله الفساد، أو حكامٌ فاسدونَ مفسدُون.
5 -في شعر المتنبي على حد تعبير محيي الدين صُبحي"من الرؤيا- ما يفوقُ أي شاعِر آخر بالعربيّة. ففي أحسن حالاتِهِ يجعلنا المتنبي نعيشُ بين الحلمِ و الواقع، بين المثال والحقيقة، بين الموتِ والحياة، وأخيرًا بين الخلودِ"