فهرس الكتاب
ذلك- كما فَعَل عبد الوهاب البيّاتي في قصيدةٍ عنوانها"مرثيّة إلى عائشة"من مجموعتهِ التي عنوانها"الموت في الحياة".
يقولُ البياتي:
"يموتُ راعي الضأن في انتظارهِ ميتةَ جالينوسْ"
يأكلُ قرصَ الشمسِ أورفيوسْ
تبكي على الفراتِ عشتروتْ
تبحثُ في مياهِهِ عن خاتمٍ ضاعَ وعن أغنيةٍ تموتْ" (28) ."
لقد أرادَ البياتي في السطر الأوّل أن يستحضر بيت المتنبي الذي يقول:
يموتُ راعي الضأن في جهلِهِ ... ميتةَ جَالينوس في طبِه
والذي معناه أن الموت حتمٌ على الجميع؛ إن كان راعيًا بسيطًا أو طبيبًا عالمًا، وبيتُ المتنبي هذا أحد أبياتِ قصيدةٍ مشهورة قالها الشاعِرُ في رثاءِ عمّةِ عضد الدولة ببغداد؛ ومن هذا الباب يكون أخذ هذا البيت، وجعله مطلعًا لقصيدة يريدُ لها البياتي أن تكون مرثيّة على لسان الخيّام لمحبوبتِهِ عائشة أمرٌ موّفق؛ لو لم يفسد البياتي نفسه المعنى المعروف للبيت، لأن قارئه في صورتِهِ الجديدة سيطرحُ على نفسِهِ عددًا غير قليل من الأسئلة، لن يجدَ لمعظمها جوابًا شافيًا، أهمّها مثلًا: كيف كانت ميتة جالينوسْ؟
ولماذا يموتُ راعي الضأن وهو ينتظر ميتةَ جالينوس؟
وما إلى ذلك!
وكنتُ -والقارئَ- سأعتبرُ أن من حق البياتي أن يكتب مايشاء وكيف شاء لو لم يضع في آخر مجموعتِهِ تلك هامشًا يقول:
"راجع قول المتنبي:"
يموتُ راعي الضأن في جهلِهِ .. الخ" (29) ."
بمعنى أنهُ يحيل إلى الفكرة أو المعنى الذي أصابه المتنبي في بيتهِ المذكور.