أصواتِ غيرهِ من الشعراء؛ لقلتُ إن الشاعِر يلبسُ قناعَ المتنبي ويقدّمُهُ لنا مثالًا للشاعِر الذي يُريده: لكن الحقيقة غير ذلك؛ لقد أرادَ بيان الصفدي أن يرسم صورةً أخرى للشاعِر -المثال كما يراهُ هو، فجاءَ هذا المزيج من المتنبي ولوركا ونيرودا وماياكوفسكي وغيرهم، ممن كانت كلماتهم جمارًا تُشعلُ وتضيء، ودفعوا جميعًا ثمن نقائهم وحبّهم لأوطانهم وللإنسانيّة.
وقد يلجأُ بعضُ الشعراء إلى توظيفِ فكرة معيّنة للمتنبي ضمن قصيدةٍ يحاولُ شاعِرها أن يتقمصَ هذهِ الشخصيّة إمعانًا منهُ في محاولةِ إقناعِ القارئ؛ أو جَرّهِ ليشاركَ في هذهِ اللعبة الفنيّة كما يفعل محمود درويش في قصيدتِهِ"رحلة المتنبي إلى مصر"حين يقول:
"كل الرماح تُصيبُني"
وتعيدُ أسمائي إليّ
وتُعيدني منكم إليّْ
وأنا القتيلُ القاتلُ" (26) ."
فهو هنا يضِّمنُ معنىً لأبي الطيّب:
وأنا الذي اجتذبَ المنيةَ طرفُهُ ... فمن المطالبُ والقتيلُ القاتِلُ
لقد أخذ درويش كلمتين من البيتِ كُلّه"القتيلُ القاتِلُ"، وضمنها قصيدته السابقة؛ ولو لم يأتِ هذا التضمين في سياقِهِ الذي رأيناه؛ بمعنى في قصيدةٍ يوهمِنا درويش أن المتنبي هو الذي ينشدها لاستعصى علينا المعنى؛ لأن فهم المقطع السابق بصورةٍ تُغني النصَ بشكلٍ عام يكادُ يكون مُقترنًا بمعرفتنا لبيت أبي الطيّب.
ويلعبُ ناجي علّوش اللعبة نفسها ولكن بنجاح أقل حين يضمّن المعنى نفسه في مقطعٍ من قصيدتِهِ"محاورة مع أبي الطيّب"فيقول:
"وتحمّلوا عبء الدم المهراقِ في غير"
القضيَّةْ ....
وتذكّروا أن الدماء هي الدماء
وأنني كنتُ القتيل
وقاتلي ليسَ القتيل ..
وتذكروا أني رأيتُ دمي على
قسماتِ كافور الزريّهْ ..." (27) ."
وقد نجدُ شاعِرًا يقتبسُ أحد معاني أبي الطيب لكنهُ لايحسنُ توظيفه، أو لا يتمكنُ من خلالِهِ أن يستدعي في أذهاننا شخصيّة المتبني -إن كانَ يرمي إلى