غدونا تنفضُ الأغصانُ فيها ... على أعرافِها مِثلَ الجُمان
فسرتُ وقد حجبنَ الحَرّ عني ... وجئنَ من الضياءِ بما كفاني
وألقى الشرقُ منها في ثيابي ... دنانيرًا تفرُّ من البَنَان
لها ثمرٌ تشيرُ إليكَ منهُ ... بأشربةٍ وقفن بلا أوان
وأمواهٌ تصلُّ بها حصاها ... صليلَ الحلي في أيدي الغواني (24)
ويستدعي بيان الصفدي أبا الطيّب معتمدًا التقنيّة نفسها في قصيدةٍ قصيرة تحمل عنوان"الشاعر":
"-من أنتَ؟"
-ما أنا؟
-من أنتَ يا طريدُ؟
-أنا ... أنا المُعمّى،
أنا الذي يجلُّ أن يُسمّى،
الطائِرُ الغِرِّيدُ،
إني ختمتُ بابكم بالدمِ،
هذي كلماتي جمرةٌ،
وأنتمُ الوقودُ،
أنامُ في عيونكمْ
ودارتي الأثيرةُ الوجودُ.
ذئابكم تضحكُ فوقَ لحمي،
وتنسُلُ الأعصابَ،
تنهشُ الحشا،
تبيدُ،
أبصرتكم قوافلًا
فضاؤها السردابُ والوحشةُ والقيودُ.
الخيلُ والليلُ وأوراقي معي
والسيفُ والرمحُ: وهذي البيدُ" (25) ."
لقد تمّ هذا الاستدعاء انطلاقًا من بيتين مشهورين للشاعِر وهوَ وإن بدا عَرَضيًا- في بدايةِ البطاقةِ حين يقول الصوت"أنا الذي يجلُّ أن يُسمّى"، وفي نهايتها حين يختِمها بقولهِ"الخيلُ والليلُ .. الخ"- إلا أنه جعلَ روح المتنبي كامنةً خلفَ كل عباراتِ النص، رُبّما لأن الضمير نفسه هو الذي يتابع الإنشاد، ولولا تلك الأصوات الخفيّة إلي أُحسُّ أنها بعيدة عن صوت المتنبي كثيرًا، وتقتربُ من