في معرض حديثهِ عن ذلك:
"القناع هو الإسم الذي يتحدّثُ من خلاله الشاعر نفسه، متجرّدًا من ذاتيته، أي أن الشاعر يعمد إلى خلق وجود مستقل عن ذاتهِ، وبذلك يبتعد عن حدود الغنائية والرومانسية التي تردّى أكثر الشعر العربي فيها. فالانفعالات الأولى لم تعد شكل القصيدة ومضمونها، بل هي الوسيلة إلى الخلق الفني المستقل."
إن القصيدة في مثل هذهِ الحالة، عالم مستقل عن الشاعر- وإن كان هو خالقها- لاتحمل آثار التشويهات والصرخات والأمراض النفسية التي يحفل بها الشعر الذاتي الغنائي"127"
والبياتي يصف قصيدته هذه معلنًا أنّها قصيدة يغلب عليها الأسلوب القصصي، وأنه صوّر فيها قصة حياة المتنبي الفاجعة لكنّهُ لم يتبن مواقف المتنبي، ولم يتكلّم من خلال شخصيّته، ولم يلبسهُ قناعًا 128، وللشاعر - برأيي - أن يقول مايشاء عن أعمالهِ، لكن للقارئ أيضًا أن يرى مايراه؛ فالقصيدة، بين يديه وليسَ بإمكان صاحبها أن يُصادر آراء قُرّائه؛ فمحيي الدين صُبحي مثلًا يرى هذهِ القصيدة خطوة أوليّة نحو القناع 129 عند البياتي، ويدرسها بطريقةٍ متميّزة في كتابه الهام"الرؤيا في شعر البياتي"الصادر عن اتحاد الكتاب العرب 1986.
تتكوّن قصيدة"موت المتنبي"من عشرة مقاطع تأتي على النحو التالي:
1 -اللعنة الأولى/ 2 - الصوت الأول/ 3 - الصوت الثاني/ 4 - الصوت الثالث/ 5 - الصوت الأول/ 6 - الصوت الرابع/ 7 - الصوت الثاني/ 8 - المرئية/ 9 - اللعنة الثانية/ 10 - الشاعر بعد ألف عام.
وتنتاب القارئ الحيرة في تحديد هويّة المتكلّم في مقاطع القصيدة؛ وهذه برأيي نقطة ليست في صالح القصيدة وإن بدتْ كذلك.
ولنقف الآن عند مقاطع القصيدة بالترتيب.
1 -المقطع الأوّل: ويسميّه البياتي"اللعنة الأولى"ويأتي بصوتِ الشاعر نفسه، وقد تمكّنَ فيهِ من التعبير عن مُعاناتِهِ ونفيهِ وغربتهِ، وهزيمةِ جيله، من خلال إسقاط كل هذه الأشياء على المتنبي، وعَبْرَ خطابٍ يوّجههُ البياتي إلى المتنبي؛ خطاب يبلغ من المرارة والألم مبلغًا عظيمًا بحيث يطلقُهُ الشاعر على شكل لعنةٍ عنيفة لاتُبقي ولاتذر، وكيف لا؟!
وهذهِ العامة -من وجهةِ نظرهِ - أشبهُ بجيف لاتملك شيئًا ولاتصلُحُ إلا طعامًا للضباع ورعيّةً للضفادع العمياء أو العبيد والإماء: