ولئن فرضت حساسيّة المرحلة، والخوف من سلطة الرقابة مثل هذا الأسلوب الفنّي، إلا أن القارئ لن يشعرَ بذلك مطلقًا؛ فقد استطاعت موهبة أمل دنقل أن تقدّم لنا هذا القناع على أنه أحد أهم غايات القصيدة، وليس مجّرد تقنية خارجيّة لتقديم أفكار النص.
إن تلك الأحداث التاريخيّة التي عاشها المتنبي (والتي اختلقها الشاعر نفسه) تتحّولُ في سياقٍ شعري جميل إلى مُعادلٍ موضوعي مُعاصر، يُساعدُ على ذلك تضمينٌ مُوّفق لمجموعة من أبيات المتنبي!
أجرى عليها الشاعِر بعض التغييرات متكئًا على ما تمتلكه من حرارةٍ وتأثيرٍ وشهرة بين الناس- فقدّمت دلالات جديدة مُعاصرة.
ولقد أجادَ الناقد عبد السلام المساوي في دراسةِ هذه القصيدة تحتَ عنوان"المتنبي؛ أو أسطرة الشخصيّة التاريخيّة" (92) . التي ضمّنها كتابه"البنيات الدالة في شعر أمل دنقل"
لقد كشفَ المسّاوي"عن التحوّل الذي تخضع لهُ الشخصيّة التاريخيّة الواقعيّة، عندما يتمُّ توظيفها لأداء دلالات معيّنة يُريدها الشاعِر (93) "
لكنّهُ بالغَ قليلًا حين قرَّرَ أن شخصيّة المتنبي في القصيدة"قد انزاحت عن ملامحها التُراثيّة القديمة، وتلبّست ببعدٍ أسطوري، يُمكّنُها من تملكِ صوتٍ جديد، وموقفٍ مغاير لسابق مواقفها" (94)
ووجه المبالغة أن انزياح شخصيّة المتنبي عن ملامحها التُراثية، كان انزياحًا بسيطًا، ولم يصل إلى امتلاكها أو تلبّسِها ببعدٍ اسطوري.
لقد استطاع أمل دنقل أن يفيد من حبس كافور لأبي الطيّب، حيثُ كان يكيلُ لهُ الوعود ويماطِلهُ دون أن يعطيه شيئًا، وقد تناولت القصيدة هذا الحبس الذي تحدّثَ عنهُ المتنبي الحقيقي في بعض قصائدهِ التي هجاهُ فيها (ابتداءً من حنينه ورغبته في السفر إلى مرضِهِ في مصر، إلى بخلِ كافور وجشعهِ وجبنهِ) .
القصيدة ذات نفسٍ واحد، فالمقاطع لايفصل بينها شيء، لكن دِنقل عمدَ إلى وضع نجمين إلى يمين النص عند بدايةِ كل فكرة جديدة، أو يوم جديد يدوّنُهُ المتنبي!
وبالتالي فقد قسّم النص إلى أيام ومشاهد دون أن يلجأَ إلى تقطيعه.
تبدأُ القصيدة هكذا:
"** أكرهُ لونَ الخمرِ في القنينَهْ"