الصفحة 43 من 99

لكنني أدمنتُها .. استشفاءا

لأنني منذُ أتيتُ هذهِ المدينهْ

وصرتُ في القصور ببغاءا

عرفتُ فيها الداءا" (95) "

المتنبي مريضٌ، وقد أدمَنَ الخمرةَ رغمَ كرهِهِ لها، علّها تخففُ من مرضه، وهو يُدرك سبب هذا المرض؛ إنهُ التحوّل إلى ببغاء في قصر كافور!

والمقطع الثاني لاجديد فيه، إنهُ يُطابق الحقيقة التاريخيّة:

"** أمثلُ ساعةَ الضُحى بين يدي كافورْ"

ليطمئنَ قلبُهُ؛ فما يزالُ طيرهُ المأسورْ

لايتركُ السجنَ ولايطيرْ!

أبصرُ تلكَ الشفة المثقوبةْ

ووجهه المسودَ، والرجولة المسلوبَهْ

أبكي على العروبهْ!" (96) "

وموقف أمل دنقل في هذا المقطع أقربُ مايكون لموقف براوننغ الذي سبق وذكرتُهُ؛ إنَّ شخصيَته التاريخيّة تتحدّث بلسانِها هي، وضمن حدود وعيها التاريخي، وإلا فكيفَ نفسّر سخريته المُرّة من سواد بشرةِ الحاكم وشفته المثقوبة، ومسألةُ خصائِهِ؛ إلا أننا حين نُحسِنُ الظن بهذه الطريقة، نجدُ أنفسَنا أمامَ مأزقٍ فني للشاعِر؛ فشخصيّة المتنبي في مقاطع أخرى خاصةً الأخير"محقونة بوعيٍ مُعاصر"هو وعي شاعر تقدمي في القرن العشرين؛ فكيفَ نفسُّر هذا التناقض؟

في المقطع التالي يجعل دنقل المتنبي رجلًا قادرًا على تلمّسِ آلامِ أهل مصر؛ فهاهم يرفعونَ الرقاع والمظلمات إلى أميرهم الرخوذي السيفِ الصديء:

"** وعندما يسقطُ جفناهُ الثقيلانِ، وينكفيء"

أسيرُ مُثقلَ الخُطا في ردهاتِ القصرْ

أبصرُ أهلَ مصرْ

ينتظرونَهُ .. ليرفعوا إليه المظلمات والرقاعْ" (97) "

وفي المقطع نفسه يجري حوارٌ بين المتنبي وجاريته الحلبيّة التي تحثّه على العودة إلى حلب، فيستطيع الشاعِر من خلال ذلك، أن يرسم حالة الوطن العربي الراهنة حيث تفصل نقاط الحدود بين بلدانه:

"جاريتي من حلبٍ تسألني: متى نعود؟"

قلتُ: الجنود يملأونَ نقطَ الحدودْ

مابيننا وبينَ سيف الدولهْ" (98) "

يستحضرُ في المقطع التالي صورةَ تلكَ البدويّة"خولة"التي رآها قربَ أريحا،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت