فهرس الكتاب

الصفحة 121 من 175

الناجمة عن اختلاف اللغتين والثقافتين، فما عليه إلا أن يكثر من الحواشي والهوامش مضيفًا إليها عبارة (إعادة صياغة، أو محاكاة، أو ترجمة بتصرف) ، ليفوّت على شرطة الترجمة فرصة أن تلقي القبض عليه متلبسًا بتهمة الخيانة للنص، وبهذا تكون ترجمته تناصًا تامًا وظاهرًا بكل ما تحمل الكلمة من معنى. وهذه هي العلاقة التي وجدتها بين الترجمة ومفهوم التناص والتي قد تفتح آفاقًا جديدة في عالم الترجمة الأدبية وبالأخص الشعرية، فالشعر ليس مادة إبلاغية ولا معرفية، وليس هدفه إعطاء معلومات ولا توضيح أفكار، بل إن القصيدة قلما تفصح عن مضمونها بشكل جلي، والشاعر يعمد إلى استخدام الخيال والرمزية الشاعرية بكثافة، ليشفر ما يريد قوله، ويختزل في كلمات قليلة كمًا كبيرًا من الطاقة المختزنة فيما سكت عنه. وهو بذلك يستقطب الروح الشعرية ويفتح المجال لفيض من الدلالات والتأويلات أمام القارئ، وإلا فسيفقد الشعر لذته وجوهره، ولن يكون الشعر شعرًا. ولذلك فبإمكان المترجم انطلاقًا من اعتبار الترجمة لون من ألوان التناص، وبسبب ثراء الشعر ذاته بألوان التناص والإشارات الثقافية، أن يعيد صياغة القصيدة لتتداخل مع اللغة والثقافة الجديدتين التي حلت عليهما، ولتكون بذلك ابنة شرعية بدل أن تبقى مجرد ضيفة غريبة.

يقول البرفسور ويليس بارنستون في كتابه (شعرية الترجمة: التاريخ، والنظرية، والتطبيق)

"إن الصورة الشعرية إذا لم تتكون على النحو السليم، يمكن للمترجم أن ينشأ معادلًا لها لتعويض تلك الطاقة المستلبة نتيجة الترجمة ... هنا تكمن صنعة المترجم وذائقته وقدرته الشعرية، ومكونه المعرفي والثقافي مزدوج اللغة، في البحث عن معايرات دلالية تستنطق أبجديات اللغة لحل المسألة." [1] ويقول أيضًا ما معناه أن الترجمة كأشعة إكس التي تخترق عمق النص بأشعتها، وهي ليست مجرد صورة فوتوغرافية لتمنح القارئ نسخة طبق الأصل.

(1) ناعوت، فاطمة. ترجمة الشعر بين الحرفية والإبداع، مجلة الألسن للترجمة، كلية الألسن، جامعة عين شمس

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت