فهرس الكتاب
كبير من التنوع في الخطاب، في حين تتصف الأجناس الكتابية غير الأدبية بالتقيد التام بالأعراف الكتابية واللغوية المتصلة بنوع النص ونوع الخطاب.
وإذا تتبعنا بعض النماذج الأدبية فسنجد أن بعض الروايات قد تتضمن لغة شعرية واضحة و حوار هو أقرب للحوار المسرحي والمونولوج. وفي الشعر الحر اختلط الإلقاء الشعري بالنثر، وأصبحت الشاعرية تنبع من اختيار الألفاظ والمجازات، بدون الاهتمام بالوزن والقافية، إلا بالقدر الذي لا يتعارض مع شعرية الشاعر. تلك الشعرية التي تسمح له أن يثور ويغضب ويسخر ويتحدى ويسأل ويحتج، وبذلك تتداخل الأصوات وأنواع الخطاب وتتجانس. وفي الشعر الكلاسيكي لا نجد تمازجًا بين الجنس الأدبي الشعري مع غيره من الأجناس الأدبية، إلا أن لغة الخطاب تتنوع فيه، فهناك الخطاب التأثيري الحزين في الوقوف على الأطلال، ثم يتبع ذلك الخطاب الوصفي التعبيري الذي يصف المحاسن وأشكال الجمال، ومن ثم الخطاب السلطوي الذي يفخر ويهجو ويأمر و يتوعد. ويعتبر كل ذلك من أشكال التناص الذي نحن بصدده لأنه تداخل وتفاعل وتحاور بين الأجناس وأصوات الخطاب المختلفة.
بعد الحديث عن مفهوم التناص قد يتبادر إلى الذهن تعليق بسيط ومباشر وهو أن قضية التناص هي أمر طبيعي ومنطقي تحكمه طبيعة الحياة، فكل شيء في الطبيعة خلق ليتمم دورة الحياة. كل الأشياء تتواصل وتتفاعل في الكون، والتاريخ البشري حافل بأحداث متشابهة تدفع بالكثيرين للقول بأن"التاريخ يعيد نفسه"، والنصوص السماوية المقدسة متشابهة في الأصل، نزلت واحدة تلو الأخرى مع إضافات إلهية في كل مرة، لتناسب المرحلة التطورية الإنسانية، وتواكب حاجات الإنسان. إذًا فمفهوم التناص أمر يفرضه الواقع الحضاري والثقافي والإنساني، فكما تتكاثر وتتنامى المخلوقات في سلسلة لا تنقطع إلا إذا انتفى وجودها تمامًا، كذلك توجد سلسلة خفية تربط النصوص المحكية والمكتوبة ببعضها البعض. ومادام الأمر كذلك فهل يعقل أن يغيب أمر كهذا عن عقول وأفهام النقاد العرب القدماء، وهم من هم في مضمار العطاء الأدبي والنقدي؟ هل توجد جذور لهذا المفهوم في تاريخ النقد الأدبي العربي؟ سؤال هام يطرح نفسه، ويقتضي