فهرس الكتاب

الصفحة 98 من 175

المؤلف والثانية تنطلق من جهة المتلقي القارئ للنص. والخلاصة عند بارت هي أن القارئ ينتج النص من خلال تأويله له، أما المؤلف فهو ذائب في صياغة النص عن طريق تداخله في علاقة مع نصوص أخرى.

إن وصف بارت للنص بكلمة النسيج (textile) تذكرنا وتجعلنا نقف لوهلة مع كلمة"نص"بالإنكليزية (text) ونتمعن بالارتباط اللغوي الظاهر بين اللفظتين، وهو أمر ملفت للنظر لإن الاشتقاق اللغوي الذي يميز اللغة العربية ليس أمرًا محكمًا ودقيقًا باللغة الإنكليزية، فعلى الرغم من وجوده حتمًا إلا أنه لا يتبع قواعد واضحة ومحددة بل هو اشتقاق عشوائي يحدث حينًا في بعض المفردات وينتفي أحيانًا، ولكن الإشتقاق الموجود بين الكلمتين يبرز علاقة لغوية ومعنوية بينهماتتوافق مع ما ذهب إليه بارت من تشبيه النص بالنسيج الذي يحْبكُ من الخيوط الملونة المتشكلة من فسيفساء النصوص السابقة التي قرأها المؤلف من قبل، فيصير نسيجًا مطرزًا لا يشبه بالضرورة المواد الأولية التي استُخرج منها، ولكنه يحمل بلا شك جيناتها الوراثية.

إن جسدية النص كمؤَلَفٍ منفصلةٌ عن جسديته كفكر، والخيوط التي استخدمها المؤلِف الكاتب من كلمات وعبارات وجمل تشكل الجسد الفسيولوجي النحوي واللغوي البحت، ولكن للنص جسدًا آخر مكوَّن من روح النصوص التي تداخلت فيه مع بعضها، ووهبته العواطف والأفكار والرؤى والأحلام التي تنطوي في ثناياه كما تنطوي الروح والنفس داخل جسد الإنسان. وهذا الاستقلال التام للنص عند بارت يحتم حسب رؤيته قضية"موت المؤلف"بعد ولادة النص مباشرة. يقول بارت"مات المؤلف بوصفه مؤسسة واختفى شخصه المدني والانفعالي والمكون للسيرة كما أن ملكيته قد انتهت" [1] ، وهي مقولة شديدة التطرف يعترض عليها بعض النقاد الغربيون ويعتبرون أن بارت يحتم موت المؤلف ليحيا النص، وهم يرون أن موته ليس حتميًا ويفضلون اعتبار المؤلف شريك للقارئ في تأويل النص وصناعة نصيته، وبين المؤلف والقارئ يسافر النص باستقلالية لينمو جنينًا جديدًا ويُخلق في حياة جديدة داخل نص جديد.

(1) بارت، المصدر السابق. ص 52

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت