فهرس الكتاب
المبحث الثاني
عوامل الصعوبة في ترجمة الشعر
تبين مما سبق أن الترجمة الأدبية بشكل عام من أصعب أنواع الترجمة، وترجمة الشعر تأتي بالمقام الأول من حيث الصعوبة لدرجة أن الكثيرين من المترجمين الأكفاء يمتنعون عن ترجمة الشعر تمامًا، كما يرى بعضهم أن تلك المهمة مستحيلة ويعتبرونها مضيعة للوقت والجهد لأن الشعر حسب تقديرهم لا يترجم. والحقيقة أن الأمر من الصعوبة بمكان فليس كل مترجم قادر عليه حتى ولو كان من أعلام المترجمين. فما هي الأسباب المادية والنفسية والفنية التي تحول دون إقبال المترجم على ترجمة الشعر؟
إن صعوبات ترجمة الشعر متعددة الجوانب تتعلق بالجانب الفني والجانب البراغماتي النفعي أو الوظيفي المادي. ولكنني في هذه الدراسة أعالج الصعوبات الفنية تحديدًا، والتي يمكن تقسيهما إلى نوعين. الأول يختص بالمترجم والخصائص التي يجب أن يتمتع بها، والثاني يختص بالقصيدة أو بالنص الشعري.
أولًا: الصعوبات على مستوى المترجم
1 -التمكن اللغوي والأدبي والثقافي
إن المترجم الكفؤ للشعر لا يكفيه أن يكون طليق اللسان وعلى علم ودراية لغوية وأدبية كافية في كلا اللغتين اللتين يتعامل بالترجمة بينهما. المعرفة اللغوية البحتة قد تكون كافية بمساعدة المعاجم والقواميس لأن تمهد له الطريق لترجمة نصوص أقل تعقيدًا وخصوصية من الشعر، كالترجمة التخصصية أو ترجمة مقال أدبي أو ربما قصة قصيرة. أما الشعر فيتطلب معرفة بيئية أصيلة باللغة المنقول منها والمنقول إليها. فالشعر يعدّ من أكثر أنواع النصوص الأدبية عدولًا عن الحالة المثالية والمتعارف عليها للغة؛ وذلك لتحقيق أعلى درجات التأثير في المتلقي. ويمكن أن يكون هذا العدول عن طريق المفردات، وتركيب الجمل، والقواعد، والاستخدام المتفرد لأساليب البلاغة والصور الشعرية والخيال إلى غير ذلك.