فهرس الكتاب

الصفحة 25 من 175

في هذه الفترة المظلمة من تاريخ الأمة العربية كانت أوربا قد بدأت تتنسم نسائم الشرق الساحر وعلومه، التي بقي منها الكثير رغم كل ما سبق من تشتيت وجور، و بدأت تتحرك بحثًا عن الحرية والخلاص من سلطة الكنيسة التي أدخلتها في العصور المظلمة لقرون خلت؛ حيث كان الأوربيون قد ضاقوا ذرعًا بخرافات الكنيسة واصرارها على إبقاء الناس تحت مظلتها المحدودة الفكر والأفق. وليس هذا مجال الحديث عن استبداد الكنيسة براعاياها واستغلالها لهم، ولكن الملخص يكمن في أن أوربا ذلك الزمان ثارت وخرجت عن منظومة الكنيسة، ومن هنا بدأت أعمال الترجمة التعجيمية تأخذ شكلًا ومسارًا واضحًا؛ حيث ترجم الأوربيون المستشرقون آلاف الكتب العلمية والأدبية العربية، والمخطوطات التي وصلت إلى أيديهم إما عن طريق شرائها أو سرقتها، إلى عدة لغات أهمها اللاتينية والإنجليزية والفرنسية والإسبانية، وراح الغرب ينهل من ذاك النبع حتى ارتوى.

والحق يقال إن الأوربيين قد حملوا أمانة العلم حملًا مشبعًا بالإخلاص والجهد الصادق في سبيل العلم؛ حيث لم يقف هؤلاء عند حد نقل العلوم والأداب فقط، بل تابعوا المسيرة العلمية وقفزوا بها إلى مراحل أعلى وأوسع وأشمل. ومازالت شعلة العلم مضيئة في ديار الغرب حتى اليوم، تزداد قوة يومًا بعد يوم، ومازالت الأمة العربية في سهادها وسباتها حتى اليوم؛ بليت بكل وسائل الكبت والقمع والإسكات حتى كادت تزهق أنفاسها. واليوم نقف ونسأل إلى متى؟ إن ما أوصل أمتنا إلى ما هي عليه من تردي، لم يكن لولا التردي الثقافي وعلينا أن نتذكر أنه"في البدء كانت الكلمة" [1] ، ولا بد أن تكون للكلمة، الكلمة الأخيرة.

تمر الثقافة العربية في الوقت الحاضر بأعتى أزمة اعترتها منذ فجر التاريخ العربي، فبمجرد نظرة سريعة على صفحات المواقع الإجتماعية كَ (الفيس بوك) وغيرها، وعلى رفوف المجلات

(1) إنجيل يوحنا 1:1

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت