فهرس الكتاب
المبحث الثاني
التناص القرآني في شعر قباني
يتميز قباني بشعره الصريح وجرأته في عرض موضوعاته ومعروف عنه تجاوزه لجميع الخطوط الحمراء المقننة التي يتجنبها الكثير من الشعراء أو جلهم، ومن ذلك وضعه لبعض الأفكار السائدة في المجتمع العربي باسم الدين، في دائرة المساءلة، وتسليطه الضوء على الكثير من الممارسات الاجتماعية الفاسدة. وقد جوبه قباني في بداية مسيرته الشعرية بصد وهجوم شديدين، وبصيحات الغضب والاستنكار من بعض المتزمتين من المسلمين الذين اعتبروا بعض أشعاره خرقًا للعادات والأخلاقوخروجًا عن التقاليد والأعراف، ولكن اللافت للنظر في أشعار قباني أنها تحتوي على قدر كبير من الإشارات التناصية المقتبسة من القرآن الكريم والتراث الإسلامي، وهو بذلك يستخدم الدين سلاحًا يهاجم به من يدّعون التدين وهم الأكثر بعدًا عن فهم الدين الحق. وإن دلّ هذا على شيء فإنه يدل على عمق ثقافة قباني وغزير اطلاعه القرآني والديني، وقد عمد في مواضع كثيرة من شعره إلى توظيف رصيده الثقافي الديني في تعزيز وجهات نظره التي قدمها بقوة في شعره.
والملاحظ عندي أن التناص في شعر قباني متركز في التناص الصريح المباشر أو من خلال الإيحاء والتلميح لآيات قرآنية أو لأحاديث نبوية، أو لقصص القرآن الكريم وعِبره. فقد أدرك قباني أهمية الحجة النابعة من الدين، وقدرة الدلائل القرآنية في الإقناع والتأثير؛ لذلك استخدمها بكثافة في كتاباته الشعرية لاسيما السياسية منها.
وبالتدقيق نجد أن التناص القرآني ينسجم تمامًا مع مضمون الشعر ذي التوجه السياسي والوطني؛ إذ يدعو الشاعر في ذلك النوع من القصائد إلى الاستقلال والثورة على المحتل، ويذكّر بفضل الجهاد وقيمة النصر وأبطال التاريخ الإسلامي من المجاهدين والمنتصرين، كما ينوه بالإيمان والعبادة والدعاء، ويذم البغي ويحض على العفاف والمروءة. وكل ذلك في صميم الدين الحنيف، لذلك جاء التناص القرآني عفويًا ومناسبًا ومنسجمًا، ولم يأتي متكلفًا أو مقحمًا أو غريبًا.