فهرس الكتاب

الصفحة 145 من 175

المبحث الأول

الإشارات الثقافية في شعر نزار قباني

لقد تبين مما سبق في هذه الدراسة أن التناص شكل من أشكال الإشارات الثقافية، لأنه يأتي من وحي بيئة ما أو ثقافة مرتبطة بالتاريخ والأدب، وهوبذلك يحمل أجنة تلك البيئة أو الثقافة. وهذه العلاقة بين التناص والإشارات الثقافية ليست دائمًا ثنائية الاتجاه، فكل تناص هو في الغالب إشارة إلى ملمح ثقافي أو لغوي ما، ولكن ليست كل إشارة ثقافية داخلة في دائرة الفضاء التناصي الاتساعي. فالتناص قوامه الأساسي التداخل والتوالد بين النصوص بأشكالها، أما الإشارة الثقافية فهي مجرد ذكر لفكرة أو شيء ما قد يكون بسيطًا كاسم مكان، أو اسم زهرةٍ محلية أو أكلة شعبية، أو اسم شخص له أهمية عند الشاعر بشكل شخصي.

وقد تكون الإشارة إلماحًا سريعًا لشخصية تاريخية أو حدث تاريخي، أو شيءله رمزية محددة. ومن ذلك مثلًا الإشارة إلى القمر في وصف الحسن. فالقمر في الثقاقة العربية رمز الجمال، والشعراء يصفون المحبوبة بأنها مثل القمر أو البدر أوماشابه. ولكن القمر في الثقافات الغربية ليس بذي دلالة إيجابية من هذا النوع على الإطلاق، بل هو يرمز إلى الخطر والمجهول لأن له وجهًا مظلمًا، مختبئًا دومًا في الجهة البعيدة عن الأرض؛ لذلك يرتبط اسمه بالسحر والشعوذةوالإنسان"الذئب"،أو ما يسمى (warewolf) . فإذا ورد تشبيه للحسن بالقمر في القصيدة، فإن ذلك لا يعتبر تناصًا، وإنما إشارة إلى ثقافة أمة ضاربة في القدم لأنها ليست مرتبطة بنص أو نصوص محددة، ولكنها جزء من لغة وتراث الأمة. ويندرج في ذلك الأقوال الشعبية والعبارات المحلية، والتلميح إلى أغنية أو نمط غنائي، ودلالات الألوان. فالأخضر لون الخصب والخير، والأحمر لون الغضب والحب، والأسود لون الحرب والموت.

وقد تكون اللمحة الثقافية واضحة المعنى من السياق، أو ليست بكبير الأهمية، وتكفي ترجمتها بلغة بسيطة ومباشرة، ولكنها أحيانًا تشكل حجر أساس في تأويل النص وفهمه. وقد يلجأ المترجم في بعض الحالات إلى اختيار الحذف بالكامل للإشارة، أوالتعويض عنها بما يماثلها أو يوازيها في اللغة المنقول إليها، والحذف خيار يقصده المترجم إذا كان الملمح بعيد التأويل ويصعب إيجاد مكافئ له، بشرط أن لا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت