فهرس الكتاب
وسأستفيض في الحديث عن وسائل التأثير هذه في مكان لاحق من هذه الدراسة، ولكن ما أتكلم عليه هنا يتعلق بمعرفة المترجم لهذه الفروقات والاختلافات البينة بين اللغات وخاصة إذا كانت لغات متباعدة كالعربية والإنكليزية مثلًا. فالمترجم يجب أن يكون على دراية لغوية نشأت عن خبرة حقيقية وتعايش كامل مع اللغة وأدبها وثقافتها، أي أنه يجب أن يكون قد تعلم اللغتين اللتين يترجم بينهما منذ صغره وأن يكون قد ساكن أهل البلاد التي تتكلم بهما، وقرأ جرائدها اليومية ومجلاتها المحلية، وشاهد برامجها التلفازية وسمع أخبارها وبثها الإذاعي، هذا بالإضافة إلى انه يجب أن يكون قارئأً نهمًا ومحبًا للأدب بكل أشكاله في كلتا اللغتين أو اللغات التي يترجم منها وإليها."إن معرفة لغتين لا تكفي لترجمة الشعر فشخصية المترجم وثقافته وقدرته على الإحاطة بتاريخ وحاضر وثقافة كل من اللغتين ضرورية لمعرفة خبايا النص وفهم سياقه؛ لذلك ينبغي للمترجم أن يتشبع بمفاهيم الثقافات التي ينقل عنها وينقل إليها" [1] .
وقد يقال أن هذا التوجه في الاعتبارات التي يجب أن يلم بها المترجم هو توجه شديد التطرف ومبالغ فيه، والحقيقة إن مجرد المعرفة اللغوية من غير المعرفة الثقافية لبيئة العمل الأدبي ومؤلفه، قد تنتج ترجمة لهذا العمل، ولكن مما لا شك فيه أن ترجمة كتلك ستكون مبتورة وتفتقر إلى العمق النفسي والفكري للعمل المترجم.
وكمثال بسيط على دقة الاختلافات بين الثقافات وما ينجم عنها من اختلاف جوهري في التعبير أسوق تعبيرًا يستخدمه العربي للتعبيرعن الارتياح وهو عبارة (أثلجت صدري) ،وبالمقارنة نجد أن الفرنسي الذي يعيش في بيئة جغرافية وطبيعية باردة لا يستسيغ هذا التعبير ليعبر عن شعوره بالرضا والراحة، بل يعكسه قائلًا (أسخنت صدري) . فلو واجه المترجم تعبيرًا من هذا النوع فإن عليه أن يأتي بما يكافئه بالمعنى والتأثير، وهذا لا يتأتى إلا إذا كان قد خبر الاستخدام التداولي له في اللغات المختلفة.
(1) عامر، فتحي. خيانة النص مشكلة المترجم الذي يجهل السياق الثقافي للمؤلف، موقع صوت العربية 2008.