فهرس الكتاب

الصفحة 97 من 175

ولا يقصد بارت هنا أن يرفض رفضًا جذريًا الإضاءات التي يقدمها التاريخ الأدبي أو التاريخ العام للمؤلف ولكن ما يرفضه هو النظرية النقدية القائلة"إن الأثر الفني مقيد بحركة تطويرية خالصة كما لو أنه مجبر على أن يكون تابعًا ومتوافقًا مع الحالة المدنية والتاريخية والعاطفية للمؤلف الذي هو أبوه .." [3] . إذًا النص عند بارت كما يصفه، هو عبارة عن نسيج تشكل من خامة وضعها وحبكها الأب المؤلف، ولكن هذا النسيج الجديد، الابن، يصبح مستقلًا عن مؤلفه وملكًا للقارئ يفهمه بطريقته وبرموزه وإيحاءاته ويستمتع بجمالياته وآثاره الفنية والأدبية والدلالية.

وفي هذا المنظور يصبح هذا النسيج جسدًا جديدًا يختلف عن الجسد الذي كونه المؤلف من مفردات وجمل مترابطة ضمن قواعد الكتابة والنحو المتعارف عليها، ذلك الجسد الفيزيولوجي الذي يشبه جسد الإنسان بأعضائه التي تتشابه عند كل الناس والتي يمكن تشريحها تشريحًا علميًا أو طبيًا إلى أجزاء متشابهة، ولكن هذا الجسد الخارجي المرئي يختلف تمامًا من الداخل اللامرئي. والنص كذلك له جسد لا مرئي يوازي جسد الإنسان من حيث أنه كائن حي يتفاعل ويتأثر ويتمتع بالعواطف والغرائز التي تدفعه إلى إقامة علاقات مع غيره من النصوص ليتوالد من جديد. وهكذا يكون جسد النص الحي المرتبط بغيره والمتزاوج مع غيره والذي يثير بالقارئ ما يسميه بارت (لذة النص) . إنه النص الذي يمتع القارئ بما يقدمه له من فكر وعاطفة وجمال يتنامى ويتداخل في نفسه مع كل النصوص الأخرى التي أثْرتْه وأثْرتْ ذاكرة ووجدان القارئ. إذًا فالتناص يحدث من جهة الكاتب المؤلف حين تتداخل أعداد لا حصر لها من النصوص في أثناء التأليف وتلتقي وتتقاطع وتتزاوج حتى تتم ولادة النص الجديد على يديه، ثم يستقل ذاك النص بجسده ويتوجه إلى القارئ المتلقي له الذي في خضم قراءته للنص يمارس التناصية عن وعي أو بغير وعي تام منه. التناصية إذًا تختلف عن التناص من حيث اختلاف مصدرها فالأولى تنطلق من

(3) بارت، مصدر سابق. -ص 51

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت