فهرس الكتاب

الصفحة 112 من 175

المقام أن نجيب عليه. وللإيجاز فسأكتفي بإيراد المواضع التي جاء فيها على لسان القدماء، ما يدل على وعيهم بالمفهوم.

والبداية تكون مع عملاق النقد الأدبي العربي القديم الشيخ عبد القاهر الجرجاني. لقد قام الدكتور محمد عبد المطلب بالبحث في كتابي الجرجاني (دلائل الإعجاز) و (أسرار البلاغة) وكشف عن عدد من فتوحات الجرجاني التي ترتبط بمفهوم التناص رغم أن الجرجاني لم يضع مسمى لهذه الظاهرة وإنما اكتفى بوصفها.

يقول الشيخ عبد القاهر في حديثه في باب السرقات والاتفاق والأخذ والاستمداد والاستعانة:"اعلم أن الشاعرين إذا اتفقا لم يخل ذلك من أن يكون في الغرض على الجملة و العموم، أو في وجه الدلالة على الغرض، والاشتراك في الغرض على العموم أن يقصد كل واحد منهما وصف ممدوحه بالشجاعة والسخاء، أو حسن الوجه والبهاء، أو وصف فرسه بالسرعة أو ما جرى هذا المجرى .." [1] التقط عبد المطلب في هذه المقولة فكرة الإتفاق بين الشاعرين إما تواردًا واتفاقًا في الغرض، وإما تواردًا وتوافقًا في طريقة الإستدلال والوصول إلى الغرض عن طريق وسائل الوصف كالتشبيه والمجاز والخيال.

وفي"دلائل الإعجاز"يرصد عبد المطلب النص التالي للجرجاني:"وقد أردت أن أكتب جملة من الشعر الذي أنت ترى الشاعرين فيه قد قالا في معنى واحد، وهو ينقسم قسمين: قسم أنت ترى أحد الشاعرين فيه قدأتى بالمعنى غفلًا وساذجًا، وترى الآخر قدأخرجه في صورة تروق وتعجب، وقسم أنت ترى أحد الشاعرين قد صنع وصور .." [2] ثم يستشهد الجرجاني ببيتين يجد بينهما توازيًا بالصنعة والتصوير من حيث الجمالية والاتقان بما يسميه"الأستاذية"لدى الشاعرين. يقول:"ذكر ما أنت ترى فيه في كل واحد من البيتين صنعة وتصويرًا وأستاذية على الجملة، فمن ذلك قول لبيد:"

واكذبِ النفس إذا حدَّثتها ... إنَّ صِدقَ النَّفْسِ يزري بالأملِ

وقول نافع بن لقيط:

(1) الجرجاني، عبد القاهر. أ سرار البلاغة في علم البيان، تصحيح محمد رشيد رضا- بيروت: دار المعرفة، 1982 ص 293

(2) الجرجاني، عبد القاهر. دلائل الإعجاز، قراءة وتعليق أبو فهر محمد محمود شاكر، القاهرة: مكتبة الخانجي، 1984 ص 489

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت