فهرس الكتاب

الصفحة 113 من 175

وإذا صدَّقْتَ النَّفْسَ لم تترك لها ... أملًا ويأمَلُ ما اشتهى المكذوبُ" [1] "

وحسب وصف الجرجاني فالتوافق بين الشعراء إما يتفوق فيه واحدهما على الآخر أو يتوازيان (بالأستاذية) ، وهي كلمة تذكرنا بفكرة (التعالي النصي) عند جينيت. إذًا انتبه الجرجاني إلى مسألة التوافق والتشابه لأخذ شاعر من آخر، وهو ما يعرف بالتفاعل في دائرة التناص، كما أوضح أن التوافق ليس جامدًا متحجرًا بل هناك تطوير وتغيير قد يتفوق فيه الشاعر الأحدث على الأسبق في بعض الأحيان. وفوق ذلك فإن مقولة الجرجاني ترصد أهمية المتلقي أي القارئ في تحديد أوجه التماثل عند الشاعرين، وتفوّق أحدهما على الآخر، وذلك يذكرنا بفكرة بارت عن انتماء النص إلى القارئ بعد ولادته وخروجه من سلطة المؤلف.

وفي باب السرقات يؤكد الشيخ عبد القاهر أن التشابه والتناظر لا يدخلان في باب السرقات، وهو يعتبر أن التداخل بين النصوص أمر لا يمكن لأحد أن ينأى بنفسه عنه، يقول:"ومتى أجهد أحدنا نفسه وأعمل فكره وأتعب خاطره وذهنه في تحصيل معنى يظنه غريبًا مبتدعًا ونظم بيتًا يحسبه فردًا مخترعًا ثم تصفح عنه الدواوين لم يخطئه أن يجده بعينه أو يجد له مثالًا يغض من حسنه. ولهذا السبب أحظر على نفسي ولا أرى لغيري بث الحكم على شاعر بالسرقة." [2]

وهنا نجد أن الجرجاني يقر بوجود التماثل والتفاعل والتوالد العفوي بين النصوص ولا يعتبر ذلك من السرقات، وهو بهذا التمييز يقسم ما يصفه (التناص) إلى النوعين الظاهر المقصود، والخفي غير المقصود اللذان تحدث عنهما جينيت وكريستيفا وغيرهما من رواد هذه النظرية.

لم يكن الجرجاني هو المتكلم الوحيد في قضية تداخل النصوص وأشكال هذا التداخل، فالحاتمي كذلك قد أورد في (حلية المحاضرة) آراء ونصوصًا في باب السرقات والمحاذات قال فيها نقلًا عن أحمد بن أبي طاهر:"كلام العرب ملتبس، بعضه ببعض، أخذ أواخره من أوائله، والمبتدع منه والمخترع قليل، إذا تصفحته وامتحنته ... والمحترس المطبوع بلاغة وشعرًا من المتقدمين والمتأخرين لا يسلم أن يكون كلامه أخذًا من كلام غيره وإن اجتهد في الاحتراس وتخلل طريق الكلام، وباعد في المعنى، وأقرب في اللفظ وأفلت من شباك التداخل، فكيف يكون ذلك مع المتكلف المتصنع"

(1) المصدر السابق، 500

(2) مجلة الآداب - العدد 21، بيروت 1998 ص 50

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت