فهرس الكتاب
والمعتمد القاصد." [1] ومن هذا الكلام نفهم أن ابن أبي طاهر يرى أن الأخذ لا يسلم منه أحد من المتقدمين والمتأخرين ولو حرصوا على التميز والتفرد بإبداعهم، وهذا هو جوهرمفهوم الاتساعية التناصية، التي تعطي للأدب بعدًا عالميًا لا تحده الحدود المكانية والزمانية، ونظرية بارت التي تلغي تمامًا فكرة انغلاقية أي نص."
ومن اللافت للنظر تشابه الألفاظ التي استخدمها ابن أبي طاهر وتلك التي استخدمها بارت، فالأول قال"أفلت من شباك التداخل"، بينما عبّر الآخر بقوله"تنحل الذات في هذا النسيج مثل عنكبوت يذوب في عكاشه"، ويمكننا أن نلاحظ الرابط بين الشِباك ونسيج العنكبوت المتشابك المحبوك مثل الشبكة، وكذلك نجد تماثلًا في استخدامهما للفظ"التداخل"وهو لفظ أساسي في توصيف وتعريف التناص.
وفي قول ابن أبي طاهر"إذا تصفحته وامتحنته .."يظهر الوعي بضرورة التنقيب عن مظاهر التداخل هذه، وتقييمها، وهي مهمة القارئ العارف.
أما مفهوم عدم الوعي في التناص فنجده في كلام ابن أبي طاهر، حين يتابع قائلًا فيما نقله الحاتمي عنه:"وقد رأينا الأعرابي أعرم لا يقرأ ولا يكتب، ولا يروي ولا يحفظ، ولا يتمثل ولا يحذو، ولا يكاد يخرج كلامه عن كلام من قبله، ولا يسلك إلا طريقة قد ذللت له، وقد ظن أن كلامه لا يلتبسبكلام غيره، فقد كذب ظنه وفضحه امتحانه، وقد قال أرسطاطاليس: (من البلاغة حسن الإستعارة) ، ولو نظر ناظر في معاني الشعر والبلاغة، حتى يخلص إلى كل شاعر وبليغ ما انفرد به من قول، وتقدم فيه من معنى، لم يشركه فيه أحد قبله ولا بعده، لألفى ذلك قليلًا معدودًا ونزرًا محدودًا." [2]
إذًا فالأعرابي الذي لا يقرأ ولا يكتب، ولا يتمثل ولا يحفظ ولا يروي، لا يملك أن يمنع أن يأتي كلامه موافقًا لكلام منسبقوه وطريقتهم وأساليبهم، وهذه الفكرة تكشف عن وعي وإدراك مبكر لفكرة اللاوعي في التناص.
(1) الحاتمي، محمد أبو الحسن المظفر. حلية المحاضرة ... في صناعة الشعر، العراق: دار الرشيد للنشر 1979 ص 203.
(2) المصدر السابق